أعاد اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة تسليط الضوء على مسار العلاقات بين دمشق وواشنطن، وسط مؤشرات متزايدة على انفتاح سياسي بين الجانبين بعد سنوات من القطيعة.
وخلال اللقاء، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تدرس رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مشيداً بقرار رفع العقوبات الأميركية، ومعتبراً أنه أسهم في منح سوريا دفعة مهمة نحو التعافي، كما دعا دمشق إلى الإسهام في معالجة ملف حزب الله في لبنان.
في المقابل، وصف الرئيس أحمد الشرع قرار رفع العقوبات بأنه" تاريخي"، معرباً عن تقدير الشعب السوري لهذه الخطوة، ومؤكداً أن بلاده تمضي في مسار جديد نحو الاستقرار وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية.
وجاء اللقاء بعد اجتماع عقده الشرع مع وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في خطوة عكست استمرار الاتصالات السياسية بين دمشق وواشنطن، وأثارت تساؤلات عن ما إذا كانت هذه التحركات تمهد لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين.
من جانبه رأى الدكتور سمير صالحة، خلال مشاركته في برنامج" سوريا اليوم"، على تلفزيون سوريا أن أهمية الحدث لا تقتصر على اللقاء بين الشرع وترامب، بل تبدأ من مشاركة الرئيس السوري في قمة الناتو نفسها، معتبراً أن حضور رئيس سوري في اجتماع بهذا المستوى يعد تطوراً سياسياً يعكس تغيراً في نظرة العواصم الغربية إلى سوريا.
وأشار صالحة إلى أن اختيار تركيا دعوة الرئيس السوري إلى القمة يعكس شراكة استراتيجية بين أنقرة ودمشق، ويؤكد رغبة تركيا في فتح قنوات حوار بين سوريا والدول الغربية.
كما اعتبر أن تكرار اللقاءات بين الشرع وترامب يدل على انتقال العلاقات السورية الأميركية من مرحلة الاتصالات المحدودة إلى مرحلة حوار أكثر انتظاماً، مدعوماً من تركيا وعدد من الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.
وأضاف أن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق قبل المشاركة في قمة الناتو تحمل دلالة سياسية أيضاً، إذ تعكس – بحسب رأيه – تحولاً في المقاربة الأوروبية تجاه الملف السوري، خصوصاً فيما يتعلق بدعم وحدة الأراضي السورية وإعادة الانخراط مع القيادة السورية الجديدة.
من جانبه، اعتبر السفير والباحث بسام بربندي، خلال حديثه في برنامج" سوريا اليوم"، على تلفزيون سوريا أن التقارب الحالي بين سوريا والولايات المتحدة يستند إلى مصالح استراتيجية مشتركة أكثر من كونه تقارباً سياسياً عابراً.
وأوضح أن الإدارة الأميركية تنظر إلى دمشق كشريك يمكن أن يسهم في ملفات مكافحة الإرهاب، وتقليص النفوذ الإيراني، وضبط الحدود، ومنع تهريب المخدرات والسلاح، إضافة إلى دعم مشاريع الطاقة الإقليمية.
وأكد بربندي أن الدور التركي كان محورياً في تهيئة الظروف لهذا التقارب، مشيراً إلى أن استضافة أنقرة للرئيس السوري جاءت بتوافق مع دول الناتو، وأن تركيا تؤدي دور الوسيط الأساسي بين دمشق وواشنطن.
كما رأى أن الإدارة الأميركية لا تسعى، في المرحلة الحالية، إلى التدخل في الشؤون الداخلية السورية، بل تركز على الملفات الإقليمية الكبرى، معتبراً أن هناك تقارباً ملحوظاً بين أولويات الحكومة السورية الحالية والرؤية الأميركية في عدد من القضايا الأمنية والإقليمية.
تباين في الرؤى حول حزب الله وإسرائيل ومستقبل العلاقاتوتوقف الحوار عند الملفات التي ما تزال محلَّ تباين بين دمشق وواشنطن، وعلى رأسها دور سوريا في لبنان والعلاقة مع إسرائيل.
وأوضح بربندي أن الموقف السوري، كما عرضه خلال الحلقة، يقوم على دعم سيادة الدولة اللبنانية وعدم الانخراط في أي مواجهة عسكرية مع حزب الله داخل لبنان، مع التأكيد على الاستعداد للتعاون في حماية الحدود ومحاربة الإرهاب.
في المقابل، رأى الدكتور سمير صالحة أن تصريحات ترامب بشأن دور سوريا في ملف حزب الله قد تكون جزءاً من محاولة أميركية لدفع سوريا وإسرائيل نحو معالجة الملفات الأمنية العالقة، وليس بالضرورة دعوة مباشرة لانخراط دمشق في مواجهة الحزب داخل لبنان.
كما أشار إلى أن تركيا وعدداً من الدول العربية يسعون إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن ودمشق، بما يحقق توازناً بين مصالح الطرفين.
واتفق الضيفان على أن العلاقات السورية الأميركية تشهد زخماً سياسياً غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن استمرار هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية، وبالتحولات الإقليمية الجارية.
وفي ختام النقاش، ركز الضيفان على التحديات التي قد تواجه أي انفتاح اقتصادي بين سوريا والولايات المتحدة.
ورأى بسام بربندي أن العقبات الأساسية لم تعد سياسية، بل تتعلق بقدرة المؤسسات السورية على استيعاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير القطاع المالي، وتعزيز الحوكمة، وتوفير بيئة قانونية جاذبة للمستثمرين.
أما الدكتور سمير صالحة، فاعتبر أن نجاح مسار التقارب يعتمد أيضاً على استمرار الدعم الإقليمي، ولا سيما من تركيا والسعودية والدول العربية، إضافة إلى قدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر بين دمشق وواشنطن بشأن القضايا الأكثر حساسية.
وخلصت الحلقة إلى أن لقاء الشرع وترامب يمثل محطة جديدة في مسار العلاقات السورية الأميركية، لكنه لا يشكل نهاية الطريق، إذ يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بترجمة التصريحات السياسية إلى خطوات عملية، مثل استكمال إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتهيئة البيئة الداخلية لاستقبال الاستثمارات، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الإقليمي والدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك