انتقلت الاحتجاجات المطالبة بتفعيل القانون عدد 18 من مجرد تحرك مطلبي إلى اختبار لقدرة الدولة على الوفاء بتعهداتها، فاليوم، وبعد مرور 10 أشهر على صدور القانون، لم تعد الإشكالية في قدرة الدولة على أن توازن بين دورها الاجتماعي وتوازناتها المالية، فقد تجاوزنا هذه الإشكالية بصدور نص القانون، وبتنا اليوم، في ظل هذا المناخ الاجتماعي المتوتر، أمام مشهد تتآكل فيه ثقة المجتمع في مؤسسات الحكم.
أزمة لم تكن السلطات تجهلها، فمنذ النقاشات فالمصادقة على القانون، كان جليا أن التحديات المالية التي تواجهها الميزانية تكبل قدرة الدولة على انتداب الآلاف.
لكن رغم ذلك اختار مجلس النواب، ومن بعده السلطة التنفيذية، المضي في إصدار القانون، باسم الاستجابة لمطلب اجتماعي، لم ترافقه الوظيفة التشريعية والتنفيذية برؤية واقعية تأخذ بعين الاعتبار الإمكانات المتاحة.
وهذه هي المعضلة، إذ إن الماسكين بمقاليد إدارة البلاد، من مجلس نواب أو سلطة تنفيذية، غفلوا في مسار إصدار القانون عن حقيقة جلية، وهي أن الهوة شاسعة بين الوعد السياسي والقدرة الفعلية على تنفيذه، وهو ما اكتشفه الجميع خلال الأشهر التي أعقبت صدور القانون، الذي بات اليوم مصدر احتقان جديد.
احتقان يبدو أن السلطات راهنت في بداياته على احتوائه بالاستفادة من عنصر الوقت، الذي راهنت على أنه قد يخفف الضغط عنها، ويمنحها هامشا للتحرك، على أمل أن تعيد ترتيب أوضاعها المالية وأولوياتها.
لكن حدث العكس تماما، فالوقت لم يبدد الأزمة ولم يحتوي الغضب، بل منحهما فرصة للتوسع والاحتدام، ليتحول الملف من ملف شغل إلى سؤال سياسي عن مصداقية الدولة وقدرتها على احترام التزاماتها.
سؤال سياسي لم يعد من الممكن اليوم الإجابة عنه بتفسير التأخير بصعوبات إدارية أو إكراهات مالية.
فهذه الحجج كان يمكن أن تكون مقنعة قبل سن القانون، أو في الأسابيع الأولى لصدوره، أما بعد مرور 10 أشهر فقد أصبح النص نفسه حجة على السلطة.
وهو ما يجعل هامش المناورة السياسية أضيق من أي وقت مضى، فما يرفعه المحتجون اليوم في وجه السلطة هو طلب الالتزام بالقانون لإيجاد حل.
وهذه المفارقة تمثل ورقة ضغط وإحراج سياسي للسلطة، التي تتشارك مع التونسيين ذاكرتهم الجماعية، التي لا تزال تحتفظ بتجربة القانون عدد 38، التي قد يؤدي تكرارها إلى ترسيخ انطباع لدى جزء من التونسيين بأن مؤسسات الدولة لم تعد جهازا عقلانيا قادرا على صياغة سياسات عمومية واقعية يمكنه الالتزام بها والإيفاء بها، بل باتت فاعلا سياسيا يبحث عن الرضا الشعبي وتحقيق نقاط سياسية.
وهذا هو الخطر الذي تواجهه الدولة اليوم، أزمة ثقة عامة، يتمدد فيها الشك ليطال كل شيء، خطر لا يمكن تفاديه ما لم تتحل الدولة ومؤسساتها بالشجاعة اللازمة لقيادة مسار الخروج من مأزق القانون عدد 18، إما بمصارحة الشارع التونسي بحقيقة الإمكانات وتقديم خطة تنفيذ، إن كان القانون قابلا للتطبيق، أو الإقرار بالخطأ وفتح نقاش مسؤول من أجل الوصول إلى بدائل واقعية.
فاليوم نحن نمتلك فرصة لمعالجة الأزمة، واستعادة الثقة قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر وترتفع تكلفتها.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك