لم يعد ملف التشغيل في تونس يُختزل في نسب البطالة أو عدد مواطنالشغل المحدثة، بل أصبح عنوانا لتقاطع رؤيتين مختلفتين.
فمن جهة، تراهن الدولة على الشركات الأهلية باعتبارها إحدى أدوات التنمية المحلية وخلق الثروة، ومن جهة أخرى يتصاعد تحرك أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل للمطالبة بالتنفيذ الفوري للقانون عدد 18 لسنة 2025 وإصدار الأوامر الترتيبية والمنصة الرقمية.
وبين الرهانين يبقى السؤال الجوهري، أي سياسة تشغيل تريدها الدولة؟
الدولة أصبحت اليوم أمام مسارين متوازيين للتشغيل، مسار يُراهن على الشركات الأهلية كحل للمستقبل، ومسار يُطالب بتنفيذ التزامات قانونية تجاه المعطلين عن العمل.
وهنا يتقاطع الملفان، فالأرقام التي تضمنها مشروع مخطط التنمية 2026-2030 تعكس بوضوح اختيارا يقوم على دعم المبادرة الاقتصادية، فإحداث 800 شركة أهلية، وتوفير 27 ألف موطن شغل، والتوسّع في نظام" المُبادر الذاتي" وتخصيص ضيعات فلاحية دولية لفائدة هذه الشركات، كلها مؤشرات على أن الحكومة تُراهن على خلق فرص العمل من خلال الاستثمار والإنتاج أكثر من الرهان على الانتداب العمومي.
لكن في الجهة المقابلة، يرى آلاف أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل أن الأولوية ليست لإطلاق برامج جديدة، بل لتنفيذ قانون نافذ صادق عليه البرلمان ودخل حيّز التطبيق منذ أشهر، معتبرين أنّ الدولة مطالبة باحترام التزاماتها القانونية قبل الانتقال إلى سياسات تشغيل جديدة.
ومن هنا جاء التصعيد الميداني وتنفيذ تحركات احتجاجية جديدة، باعتبار أنّ التأخير في تطبيق القانون يمثل بالنسبة إليهم، إخلالا بالتزامات الدولة وفي ظل شعور متزايد بأن الزمن أصبح يَستهلك ما تبقى من أعمارهم.
وفي ترجمة عملية لهذا الموقف، صعّد أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل تحركاتهم الميدانية، وآخرها وقفة احتجاجية يوم أمس أمام قصر الحكومة بالقصبة طالبوا فيها بحقهم في التشغيل وتسوية ملفاتهم العالقة، وقفة رفع خلالها المحتجون شعارات دعت إلى الإسراع بتفعيل قانون الانتداب الاستثنائي لفائدة خريجي التعليم العالي الذين طالت فترة بطالتهم، معبرين عن رفضهم لما اعتبروه تواصل تجاهل مطالبهم.
وعقب الوقفة، انطلق المشاركون في مسيرة على الأقدام من ساحة الحكومة بالقصبة في اتجاه معقل الزعيم ثم شارع الحبيب بورقيبة، حيث واصلوا رفع شعاراتهم أمام المسرح البلدي بالعاصمة.
وأكد المحتجون أنهم قدموا من مختلف ولايات الجمهورية للمشاركة في التحرك، رغم ارتفاع درجات الحرارة وبعد المسافات، للتأكيد على تمسكهم بحقهم في التشغيل والمطالبة بإيجاد حلول فعلية لوضعياتهم، فالملف بالنسبة لهم لم يعد قضية فئة محدودة، بل قضية وطنية تستحق لفتة جدية.
ويبقى مطلب أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل واضحا وثابتا وهو التنفيذ العاجل والفعلي للقانون عدد 18، دون أي تأخير أو تأجيل، حتى يتحقق جزء من العدالة الاجتماعية وتُصان هيبة القانون، وفق تعبيرهم في تحرك الأمس، ويبدو أن استمرار الغموض بشأن تنفيذ القانون عدد 18 يهدد بتوسيع دائرة الاحتقان الاجتماعي، ويطرح تساؤلات حول العلاقة بين التشريع والتنفيذ، فالدولة التي تدعو الشباب إلى الانخراط في مشاريع اقتصادية جديدة مطالبة أيضا بتطبيق التزاماتها وتطبيق النصوص القانونية التي أصدرتها مؤسساتها التشريعية.
ويأتي هذا التحرك في وقت يتواصل فيه الإعلان عن فتح مناظرات وانتدابات جديدة في عدد من الوزارات والإدارات العمومية، وهو ما يثير، وفق المحتجين، تساؤلات بشأن مآل تنفيذ القانون عدد 18.
ويتساءل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل عن أسباب التعلل بشح الموارد المالية أو صعوبة توفير الاعتمادات عند الحديث عن تفعيل القانون، في مقابل الإعلان بشكل متواصل عن مناظرات وانتدابات جديدة.
ويؤكدون أنهم لا يعارضون تنظيم المناظرات أو فتح باب الانتداب في مختلف القطاعات، بل يتمسكون بضرورة التنفيذ الفعلي للقانون باعتباره قانونا نافذا صادق عليه البرلمان ويستوجب احترامه وتطبيقه.
يبدو أنه كلما طال الانتظار، اتسعت الفجوة بين النصوص القانونية والواقع، وتحول الحوار الاجتماعي إلى حالة من الشد والجذب لا تخدم أي طرف، فالحكومة تتحدث عن تشغيل يقوم على المبادرة والاستثمار الجماعي، بينما يتمسك المحتجون بحقوق يرون أنها أصبحت مكتسبة بقوة القانون، لتجد السلطة نفسها مطالبة بإيجاد توازن دقيق يحافظ على مصداقية الدولة ويضمن في الآن نفسه استدامة سياساتها التنموية.
كما أن نجاح الشركات الأهلية لن يتحقق بمجرد الإعلان عن امتيازات ومنح وإجراءات جديدة أو تخصيص عقارات دولية لفائدتها، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسات منتجة، توفر مواطن شغل حقيقية، وتخضع لمعايير الحوكمة والنجاعة، ويبقى السؤال المطروح، هل تستطيع الحكومة أن تنجح في رهان الشركات الأهلية، وهي تواجه في الوقت نفسه تصاعدا في المطالب بتنفيذ القانون عدد 18؟ الإجابة لن تحدد فقط مستقبل ملف التشغيل، بل ستحدد أيضا مدى قدرة السياسات العمومية للدولة على التوفيق بين ضرورات التنمية واستحقاقات العدالة الاجتماعية والتشغيل، فالتشغيل لا يبنى بالشعارات، ولا يدار بردود الفعل، بل بسياسات متكاملة تعيد الثقة في الدولة وتفتح الآفاق للشباب وتضمن العيش الكريم لهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك