هل يكفي أن يرفع بلد علمه ويعلن استقلاله حتى يصبح دولة ناجحة؟بالنسبة إلى ملايين الجنوبيين الذين احتفلوا في التاسع من يوليو/ تموز 2011 بقيام دولة جنوب السودان، بدا الجواب آنذاك قريبًا من" نعم".
فبعد عقود من الحرب مع الخرطوم، لم يكن الانفصال عن السودان مجرد ميلاد دولة جديدة، بل وعدًا بأن تتحول سنوات القتال إلى مدارس ومستشفيات وطرق وفرص حياة أفضل.
وجاء الاستقلال بعد استفتاء صوّت فيه 98.
83% من المشاركين لمصلحة الانفصال عن السودان، ليصبح جنوب السودان أحدث دولة في العالم.
وكانت تلك لحظة نادرة بدا فيها الانفصال حلًا لنزاع تاريخي، وانتصارًا لحق شعب في تقرير مصيره بعد حربين أهليتين خلّفتا ملايين القتلى والنازحين.
لكن بعد 15 عامًا، لا يزال العلم مرفوعًا، بينما تبدو الأسئلة التي صاحبت ولادة الدولة أكثر إلحاحًا.
فقد اندلعت حرب أهلية بعد أقل من عامين على الاستقلال، وتأجلت أول انتخابات عامة مرارًا، وبقيت الثروة النفطية عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية، فيما يعيش ملايين السكان بين الجوع والنزوح والعنف.
وتكشف تجربة جنوب السودان أن الاستقلال قد يكون بداية الرحلة لا نهايتها؛ فالسيادة تمنح الدولة اسمًا وحدودًا واعترافًا دوليًا، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات وتوفير الأمن والخدمات للمواطنين.
تعود جذور استقلال جنوب السودان إلى صراع طويل مع الحكومات المتعاقبة في الخرطوم بشأن السلطة والهوية وتقاسم الموارد.
فبعد أكثر من عقدين من الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، أنهى اتفاق السلام الشامل الموقع في 2005 أطول جولات القتال، ومنح الجنوب حكمًا ذاتيًا مؤقتًا، إلى جانب حق تنظيم استفتاء على تقرير المصير.
وجاء الاستفتاء ليحمل النتيجة المتوقعة، إذ صوّتت أغلبية ساحقة لمصلحة الانفصال.
وبالنسبة إلى أجيال عاشت الحرب والنزوح، لم تكن الدولة الجديدة مشروعًا إداريًا بقدر ما كانت وعدًا بالخلاص من التهميش والعنف وغياب التنمية.
ورث جنوب السودان ثروة نفطية وموارد طبيعية كبيرة، لكنه ورث أيضًا بنية تحتية هشة، ومؤسسات محدودة الخبرة، وجيشًا تشكل أساسًا من حركة تحرير مسلحة.
وكان على الدولة الوليدة، في وقت واحد، بناء مؤسساتها، وتحويل المقاتلين إلى جيش وطني، وإدارة التنوع الإثني والمناطقي.
لكن ما ظهر سريعًا هو أن الانتصار على الخصم الخارجي لم يكن كافيًا لمعالجة التنافس داخل النخبة التي قادت مشروع الاستقلال.
لماذا اندلعت الحرب بعد أقل من عامين؟في ديسمبر/ كانون الأول 2013، انفجر الخلاف بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، بعد أشهر من التوتر داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وسرعان ما تحول النزاع السياسي إلى حرب مفتوحة اكتسبت أبعادًا إثنية، ولا سيما بين مجموعتي الدينكا والنوير.
ولم تكن الدولة قد أكملت عامها الثالث عندما بدأت مؤسساتها وقواتها المسلحة تنقسم على نفسها، وشهدت البلاد عمليات قتل جماعي وعنفًا جنسيًا وتهجيرًا واسعًا، فيما اضطر مئات الآلاف إلى الاحتماء داخل قواعد الأمم المتحدة.
وتشير دراسة أجرتها كلية لندن للصحة والطب الاستوائي إلى أن الحرب في جنوب السودان بين ديسمبر 2013 وأبريل/ نيسان 2018 تسببت في نحو 400 ألف وفاة زائدة، نصفها تقريبًا بسبب أعمال العنف، فيما ارتبط النصف الآخر بالجوع والمرض وانهيار الخدمات الصحية والآثار غير المباشرة للنزاع.
وكشفت الحرب أن الدولة الجديدة حملت معها كثيرًا من إرث حركة التحرير، من مركزية السلطة وهيمنة الولاءات العسكرية والشخصية وضعف الفصل بين الحزب الحاكم والجيش.
كما أظهرت أن الهوية الوطنية التي توحدت في مواجهة الخرطوم لم تتحول إلى عقد سياسي قادر على تنظيم التنافس بعد الاستقلال.
وبدل أن تُحسم الخلافات عبر البرلمان أو صناديق الاقتراع، أصبحت الوحدات العسكرية والميليشيات وسيلة لحسمها.
وهكذا انتقل جنوب السودان من حرب من أجل تأسيس الدولة إلى حرب على السلطة داخل الدولة نفسها.
في 2018، وقّع الطرفان اتفاق سلام مُنشطًا نص على تقاسم السلطة وتشكيل حكومة انتقالية تضم سلفا كير رئيسًا ورياك مشار نائبًا أول، إلى جانب توحيد القوات المسلحة، وإعداد دستور دائم، وصولًا إلى تنظيم انتخابات عامة.
ونجح الاتفاق في وقف الحرب واسعة النطاق ومنع انهيار الدولة، لكنه لم يحقق معظم التحولات التي كان يُفترض أن تنقل البلاد من تسوية مؤقتة إلى استقرار دائم.
فقد تعثر توحيد القوات، وتأخر إعداد الدستور، وبقيت وحدات مسلحة تدين بالولاء لقيادات سياسية ومناطقية.
وفي الوقت نفسه، استمرت النزاعات المحلية بشأن الأرض والمياه والماشية، وتداخلت مع الصراعات السياسية، حتى بات من الصعب الفصل بين العنف المحلي والتنافس على السلطة.
وخلال 2026، تجدد القتال في أجزاء من ولايتي جونقلي وأعالي النيل، وسط خلافات على المناصب المحلية وتحركات لقوات مرتبطة بأطراف اتفاق السلام.
وقبيل الذكرى الـ15 للاستقلال، شهدت مقاطعة أكوبو مواجهات جديدة أسفرت عن مقتل مسؤول محلي، فيما حذرت هيئة مراقبة اتفاق السلام من أن استمرار العنف يهدد وقف إطلاق النار وسلامة المدنيين.
وبذلك، بقي اتفاق السلام إطارًا يمنع انهيار الدولة، لكنه لم يتحول بعد إلى مشروع يبني مؤسسات مستقرة أو يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمواطنين.
من المفارقات أن الدولة التي وُلدت عبر استفتاء شعبي لم تشهد، منذ استقلالها، انتخابات عامة يختار فيها المواطنون رئيسهم وممثليهم.
فقد مُددت الفترات الانتقالية، وتأجلت الانتخابات أكثر من مرة، بحجة غياب الدستور الدائم، وعدم اكتمال السجل السكاني، وتعثر الترتيبات الأمنية ونقص التمويل.
ويحدد الجدول الحالي موعد الانتخابات في 22 ديسمبر 2026، لتكون الأولى منذ الاستقلال.
لكن اقتراب الموعد لا يعني أن شروط المنافسة السلمية أصبحت مكتملة؛ فما زالت عملية إعداد الدستور وتوحيد القوات متعثرة، بينما يواجه رياك مشار اتهامات بالخيانة ويقبع قيد الاحتجاز، وسط تصاعد التوتر بين الحكومة والمعارضة.
لا يرتبط نجاح الانتخابات بفتح مراكز الاقتراع فحسب، بل بقدرة الدولة على توفير بيئة تسمح بالتنافس السلمي وتداول السلطة.
وفي حال نجحت، فقد تمثل أول انتقال حقيقي من شرعية التحرير إلى شرعية صناديق الاقتراع، بعد أن بلغ جيل كامل من أبناء جنوب السودان سن الرشد من دون أن يشارك في اختيار قيادة وطنية.
عند الاستقلال، آلت إلى جنوب السودان معظم الحقول النفطية التي كانت تتبع السودان الموحد، فيما بقيت خطوط نقل الخام وموانئ تصديره تمر عبر السودان، ما جعل اقتصاد الدولة الجديدة مرتبطًا بجارتها رغم الانفصال.
وأصبحت عائدات النفط المصدر الرئيسي لتمويل الحكومة، لكن الاعتماد شبه الكامل عليها، إلى جانب اضطراب التصدير وضعف إدارة الإيرادات، حال دون تحولها إلى تنمية حقيقية، بحسب البنك الدولي.
وفي المقابل، لم تنجح قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة في تعويض هذا الاعتماد، فيما ظلت الخدمات الأساسية تعاني نقصًا مزمنًا في التمويل.
ويختصر هذا المشهد أحد أكبر تناقضات الدولة؛ فبلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، لا يزال ملايين مواطنيه يفتقرون إلى مدارس ومراكز صحية وطرق صالحة للاستخدام.
ولم تتحول الثروة إلى حضور يومي للدولة في حياة الناس، فبقيت علاقة كثير من المواطنين بالسلطة مرتبطة بالأجهزة الأمنية والضرائب أكثر من ارتباطها بالخدمات والحقوق.
تأتي الذكرى الـ15 لاستقلال جنوب السودان فيما تواجه البلاد واحدة من أعقد أزماتها الإنسانية.
فبحسب الأمم المتحدة، سيحتاج أكثر من عشرة ملايين شخص، أي نحو ثلثي السكان، إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال 2026.
ويعاني نحو 7.
8 ملايين شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينهم 2.
5 مليون في مرحلة الطوارئ، بينما يواجه 2.
2 مليون طفل سوء التغذية الحاد.
وتمثل هذه الأرقام حصيلة سنوات من النزاعات والنزوح وارتفاع الأسعار، إلى جانب الفيضانات المتكررة التي تعرقل وصول المساعدات وتدمر المحاصيل.
وزاد النزاع العسكري في السودان منذ 2023 الضغوط على الدولة الهشة، بعدما عبر أكثر من 1.
2 مليون شخص الحدود إلى جنوب السودان، بينهم نحو 800 ألف من مواطنيه عادوا إلى بلد يواجه أصلًا نقصًا في فرص العمل والسكن والخدمات.
كما أصبحت التغيرات المناخية تحديًا إضافيًا، إذ تغمر الفيضانات في بعض السنوات مساحات واسعة من البلاد، فتقطع الطرق وتعزل المجتمعات وتدمر الأراضي الزراعية.
يقدّر البنك الدولي أن جنوب السودان يحتاج إلى أكثر من 13 مليار دولار حتى 2050 لتعزيز قدرته على التكيف مع آثار التغير المناخي.
كما تكشف هذه المؤشرات أن الأزمة لم تعد أمنية أو سياسية فقط، بل أصبحت مزيجًا من الصراع والفقر والهشاشة الاقتصادية والتغيرات المناخية، وهي عوامل تتغذى على بعضها بعضًا.
بعد 15 عامًا، يبدو السؤال مشروعًا: هل أخفق مشروع استقلال جنوب السودان؟لكن، الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالأزمات التي عاشتها الدولة لا تعني أن قرار الاستقلال كان خطأ، أو أن البقاء ضمن السودان الموحد كان سيمنح سكان الجنوب مستقبلًا أفضل.
فقد مارس الجنوبيون حقهم في تقرير المصير، وأقاموا دولة معترفًا بها دوليًا بعد تاريخ طويل من الحروب والتهميش.
لكن السنوات التي تلت الاستقلال أثبتت أن رفع العلم لا يكفي لبناء دولة.
فالسيادة تمنح الاعتراف الدولي، لكنها لا تنشئ مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات، ولا تضمن توزيعًا عادلًا للثروة، ولا تمنع احتكار السلطة والسلاح.
وربما كان التحدي الأكبر أن مشروع التحرير، الذي وحّد الجنوبيين في مواجهة خصم خارجي، لم يتحول بعد إلى مشروع دولة قادر على إدارة التنوع والتنافس السياسي داخل البلاد.
فالدول لا تُبنى بشرعية الماضي وحدها، بل بقواعد تضمن تداول السلطة، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون.
ورغم كل ما مر به جنوب السودان، فإنه لم ينزلق إلى حرب أهلية شاملة منذ توقيع اتفاق السلام في 2018، كما واصلت منظمات المجتمع المدني والكنائس والنساء والشباب المطالبة بالسلام والمساءلة واستكمال المرحلة الانتقالية، في مؤشر إلى أن المجتمع لا يزال متمسكًا بفكرة الدولة، حتى وإن تعثرت مؤسساتها.
لكن بقاء الدولة لا يعني نجاحها.
فالاختبار الحقيقي لا يقاس بقدرتها على حماية مؤسسات الحكم فحسب، بل بقدرتها على أن يشعر المواطن بأن الاستقلال غيّر حياته؛ وأن القانون يحميه، وأن المدرسة والمستشفى والطريق حقوق وليست امتيازات.
قبل 15 عامًا، منح الاستفتاء الجنوبيين حق اختيار دولتهم، لكن بناء الدولة لم يكن سؤالًا يُحسم في يوم التصويت، بل مشروعًا يمتد سنوات وربما أجيالًا.
لقد نجح جنوب السودان في أن يصبح دولة معترفًا بها على الخريطة، لكنه لم ينجح بعد في أن يجعل ملايين مواطنيه يشعرون بأن الدولة غيّرت حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك