لم تنته قصة كيليان مبابي مع كأس العالم عند صافرة نهائي لوسيل في ديسمبر/ كانون الأول 2022.
فمنذ تلك الليلة، بات كل ظهور جديد للنجم الفرنسي في المونديال يُقرأ من زاوية مختلفة؛ ليس فقط بعدد أهدافه أو مهاراته، بل بقدرته على تحويل موهبته الاستثنائية إلى إرث كروي كامل.
في قطر، سجل النجم الفرنسي ثلاثية تاريخية في النهائي، وتوج هدافًا للبطولة، لكنه غادر الملعب خاسرًا الكأس.
كما خرج بطلًا فرديًا في ليلة انتصر فيها الفريق الآخر، ومنذ ذلك الحين أصبح السؤال مختلفًا:هل تكفي الأرقام لصناعة الأسطورة، أم أن الإرث الحقيقي يحتاج إلى قيادة منتخب بأكمله نحو اللقب؟تأتي مواجهة المغرب في ربع نهائي كأس العالم 2026 لتعيد هذا السؤال إلى الواجهة.
فالمباراة لا تمنح فرنسا بطاقة العبور إلى نصف النهائي فحسب، بل تمنح قائدها فرصة جديدة للاقتراب من البطولة التي قد تحمل اسمه أكثر من أي لقب سابق.
في نهائي مونديال قطر 2022، بدا المنتخب الفرنسي بعيدًا عن المنافسة معظم فترات المباراة، قبل أن يعيده مبابي إلى الحياة مرتين، ويقوده إلى ركلات الترجيح بثلاثة أهداف ستبقى بين أعظم العروض الفردية في تاريخ النهائيات.
وبفضل تلك الثلاثية، أنهى البطولة بثمانية أهداف، وتوج بالحذاء الذهبي، كما أصبح أكثر لاعب تسجيلًا في المباريات النهائية لكأس العالم، بعدما رفع رصيده إلى أربعة أهداف في نهائيي 2018 و2022.
لكن تلك الليلة تركت إرثًا مختلفًا.
فبدل أن تُغلق صفحة المونديال، فتحت بابًا جديدًا للتساؤل:هل تبقى ثلاثية لوسيل أعظم إنجاز فردي لم يكتمل بالكأس، أم تتحول إلى مقدمة لتتويج جديد؟في مونديال روسيا 2018، كان مبابي موهبة استثنائية داخل منتخب يقوده لاعبون أكثر خبرة.
وفي قطر 2022، أصبح المرجع الهجومي الأول لفرنسا.
أما اليوم في 2026، فهو يدخل البطولة قائدًا للمنتخب، بعدما تسلم الشارة في مارس/ آذار 2023، ليصبح مسؤولًا ليس فقط عن تسجيل الأهداف، بل عن قيادة مجموعة كاملة تحت ضغط التوقعات.
وقال مبابي بعد تعيينه قائدًا إنه يريد أن يكون قريبًا من زملائه، وأن تساعد القيادة على توحيد المجموعة، لا أن تفرض عليها شخصية واحدة.
ولم تتغير طريقة لعبه كثيرًا، لكن حجم المسؤولية تغير بالكامل.
ولا يزال كيليان مبابي أخطر عندما يجد المساحات، ولا تزال سرعته وقدرته على إنهاء الهجمات أبرز أسلحته، لكنه أصبح أكثر استعدادًا لخوض مباريات تُفرض فيها عليه أدوار مختلفة.
ظهر ذلك أمام باراغواي في دور الـ16، حين لم تجد فرنسا المساحات المعتادة، واضطرت إلى خوض مباراة مغلقة حسمها مبابي من ركلة جزاء.
وبعد اللقاء، لم يركز قائد فرنسا على هدفه، بل على قدرة المنتخب على الفوز حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته.
وهذا ربما يكون الفارق الأهم بين مبابي 2022 ومبابي 2026؛ فاللاعب الذي يبحث عن صناعة إرث لا ينتظر المباراة المثالية، بل يجد طريقه للتأثير مهما اختلفت الظروف.
يدخل مبابي مواجهة المغرب وهو يملك سجلًا استثنائيًا في كأس العالم.
فقد رفع رصيده إلى 19 هدفًا في 19 مباراة بالمونديال، بينها سبعة أهداف في نسخة 2026، كما سجل 11 هدفًا في الأدوار الإقصائية، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البطولة.
وعلى مستوى المنتخب الفرنسي، أصبح الهداف التاريخي للديوك، متجاوزًا أسماء صنعت تاريخ الكرة الفرنسية.
لكن المقارنة مع ميشال بلاتيني وزين الدين زيدان لا تتعلق بعدد الأهداف وحده، بل بما مثله كل منهما لجيله.
فق قاد بلاتيني فرنسا إلى لقبها الأوروبي الأول، فيما ارتبط اسم زيدان بأول لقب عالمي في تاريخها.
أما مبابي، فيملك أرقامًا تفوقهما، لكنه لا يزال يبحث عن البطولة التي يقال إنها كانت بطولته هو.
تعيد مواجهة المغرب إلى الذاكرة نصف نهائي مونديال قطر، حين أوقفت فرنسا المسيرة التاريخية لأسود الأطلس.
لكن المنتخب المغربي يعود هذه المرة أكثر خبرة، بعدما بلغ ربع النهائي للمرة الثانية تواليًا، وأثبت أن إنجازه السابق لم يكن استثناءً.
وبالنسبة إلى مبابي، لا تكمن أهمية المباراة في استعادة ذكرى قديمة، بل في أنها تأتي في المرحلة التي يبدأ فيها الإرث الحقيقي للاعبين الكبار.
فهنا تتحول الأرقام إلى بطولات، وتصبح كل مباراة إقصائية خطوة نحو المجد أو محطة تؤجل الوصول إليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك