عندما يدخل لاعبو فرنسا والمغرب أرض ملعب بوسطن، لن تبدأ مباراة ربع نهائي عادية في كأس العالم 2026.
ستعود إلى الواجهة ذاكرة نصف نهائي قطر، وأسئلة الهوية والهجرة، والعلاقات القديمة بين بلدين تفصل بينهما الجغرافيا وتجمعهما ملايين القصص العائلية والإنسانية.
تجمع المواجهة منتخبًا فرنسيًا اعتاد الوصول إلى المراحل الأخيرة، بمنتخب مغربي نجح خلال نسختين متتاليتين في تغيير موقع كرة القدم العربية والإفريقية داخل المونديال.
تبحث فرنسا عن خطوة جديدة نحو نهائي ثالث على التوالي، بينما يريد المغرب إثبات أن إنجاز 2022 لم يكن لحظة استثنائية انتهت بانتهاء البطولة، وإنما بداية انتقال كامل من خانة المفاجأة إلى خانة المنافسة.
التقى المنتخبان في نصف نهائي مونديال قطر يوم 14 ديسمبر/ كانون الأول 2022، عندما فازت فرنسا بهدفين دون مقابل في استاد البيت بمدينة الخور.
أنهت تلك المباراة أول رحلة لمنتخب عربي وإفريقي إلى نصف نهائي كأس العالم، لكنها لم تُنهِ الأثر الذي تركه المغرب.
فقد خرج" أسود الأطلس" من البطولة بمكانة جديدة، بعدما تجاوزوا إسبانيا والبرتغال ونافسوا فرنسا على بطاقة الوصول إلى النهائي.
تجاوز المنتخب المغربي هولندا بركلات الترجيح في دور الـ32، ثم تغلب على كندا بثلاثة أهداف دون مقابل، ليصل إلى مواجهة فرنسا بوصفه أحد المنافسين الحقيقيين على اللقب.
وقال المدرب محمد وهبي عشية المباراة إن بلوغ ربع النهائي لا يمثل نهاية الطموح، لأن هدف المغرب يبقى الفوز بكأس العالم.
لا تتعلق المباراة بثأر رياضي مباشر بقدر ما تمنح المغرب فرصة لإعادة كتابة النهاية.
فالمنتخب لا يستطيع تغيير نتيجة 2022، لكنه يستطيع منعها من التحول إلى سقف دائم لطموحه.
تاريخ حاضر في خلفية الملعبتحمل أي مواجهة بين فرنسا والمغرب طبقات تاريخية لا تظهر في جدول النتائج.
خضع المغرب لنظام الحماية الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين، قبل حصوله على الاستقلال عام 1956.
واستمرت بعد ذلك علاقات سياسية واقتصادية وثقافية متشعبة بين البلدين.
لا يدخل اللاعبون الملعب ممثلين لهذا التاريخ، ولا ينبغي اختزال المباراة في مواجهة رمزية بين قوة استعمارية سابقة وبلد خضع للاستعمار.
لكن الماضي يفسر جانبًا من الشحنة العاطفية المحيطة باللقاء، خصوصًا لدى جماهير ترى كرة القدم مساحة نادرة لإعادة ترتيب موازين القوة، ولو لمدة تسعين دقيقة.
تمنح الرياضة الدول الأصغر سياسيًا واقتصاديًا فرصة مواجهة القوى الكبرى وفق شروط متساوية: ملعب واحد، وعدد متساوٍ من اللاعبين، ونتيجة لا تحددها القوة الاقتصادية أو النفوذ الدولي.
لهذا لا تُقرأ مباراة فرنسا والمغرب فقط من خلال التشكيلات والخطط، وإنما من خلال ذاكرة سياسية واجتماعية لا تزال حاضرة في علاقة البلدين.
وتختصر المواجهة روابط ما بعد الاستعمار والتداخل العائلي والإنساني بين المجتمعين.
مباراة تُلعب داخل فرنسا أيضًالا تقتصر متابعة اللقاء على الرباط والدار البيضاء وباريس.
توجد المباراة أيضًا داخل عائلات وأحياء فرنسية تضم أجيالًا من المهاجرين المغاربة والمغاربيين وأبنائهم.
عاش في فرنسا عام 2023 نحو 3.
5 ملايين مهاجر مولودين في إفريقيا، وكان ستة من كل عشرة منهم مولودين في بلدان المغرب العربي، وعلى رأسها الجزائر والمغرب وتونس.
تجعل هذه التركيبة الاجتماعية مباريات فرنسا أمام منتخبات شمال إفريقيا مختلفة عن معظم المواجهات الدولية.
فالجمهور لا ينقسم دائمًا بين فرنسي ومغربي على نحو حاد، وقد يجد الشخص نفسه متعلقًا بالمنتخبين في الوقت نفسه: واحد يمثل بلد الميلاد والحياة اليومية، والآخر يمثل العائلة والذاكرة والجذور.
لهذا تثير المباراة أسئلة لا تجيب عنها الأعلام وحدها: هل يصبح تشجيع المغرب رفضًا لفرنسا؟ وهل يفترض الانتماء إلى المجتمع الفرنسي التخلي عن الروابط العائلية والثقافية مع بلد الأصل؟اللاعبون مرآة للهوية المركبةتظهر العلاقات المتداخلة بين البلدين داخل الملعب أيضًا.
فقد تشكل جانب مهم من الكرة المغربية الحديثة عبر لاعبين ولدوا أو نشؤوا في أوروبا، وتلقوا تكوينهم في أنديتها قبل اختيار تمثيل بلد عائلاتهم.
يقدم المدافع عيسى ديوب إحدى أبرز قصص المواجهة الحالية.
وُلد في تولوز لأب سنغالي وأم مغربية، ومثّل منتخبات فرنسا للفئات العمرية، قبل أن يختار الانضمام إلى المنتخب المغربي.
أصبح ديوب لاحقًا أحد أبطال عبور المغرب أمام هولندا، بعدما سجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع قبل التأهل بركلات الترجيح.
ويجد نفسه الآن مطالبًا بإيقاف كيليان مبابي والهجوم الفرنسي، بعدما كان يتطلع في مرحلة سابقة إلى تمثيل فرنسا.
لا تعكس هذه الاختيارات تناقضًا بسيطًا بين الولاء والخيانة.
بعض اللاعبين يمثل البلد الذي نشأ فيه، وبعضهم يختار بلد الوالدين، فيما يجد آخرون أن هويتهم لا يمكن اختصارها بجنسية كروية واحدة.
ويضم المنتخب المغربي الحالي ستة لاعبين وُلدوا في فرنسا، في صورة تعكس حجم التداخل بين المدرستين الكرويتين والمجتمعين.
المغرب لم يعد الحصان الأسودلا تكتسب الخلفيات التاريخية والاجتماعية قوتها إلا لأن المباراة متكافئة رياضيًا أكثر مما كانت عليه مواجهات سابقة بين المنتخبين.
تطورت اختيارات المغرب، وارتفعت ثقته بالكرة، ولم يعد رهانه قائمًا على الدفاع والمرتدات وحدهما.
فقد أظهر أمام البرازيل وهولندا وكندا قدرته على الاستحواذ وصناعة الفرص والتحول بين أكثر من أسلوب خلال المباراة.
قدّم المنتخب المغربي أمام كندا نموذجًا لنضجه الجديد.
فعلى الرغم من تفوق أصحاب الأرض في فترات من الشوط الأول، حافظ المغرب على توازنه ثم سجل ثلاثة أهداف من أربع تسديدات على المرمى، ليجمع بين الصلابة والفاعلية الهجومية.
لكن الفريق تلقى ضربة مؤثرة قبل اللقاء، بعدما تأكد غياب إسماعيل صيباري بسبب إصابة في العضلة الخلفية تعرض لها أمام كندا.
وكان اللاعب قد سجل خلال مباريات المغرب الثلاث في دور المجموعات، كما نفذ الركلة الحاسمة أمام هولندا.
في الجهة المقابلة، حققت فرنسا الفوز في مبارياتها الخمس السابقة، لكنها احتاجت إلى الصبر وركلة جزاء من مبابي لتجاوز باراغواي بهدف دون مقابل.
تمتلك فرنسا قوة هجومية يقودها مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليس، غير أن مباراة المغرب تمثل اختبارها الأكثر تكاملًا حتى الآن، أمام منتخب يملك الجودة الفنية والصلابة البدنية والقدرة على تغيير إيقاع اللعب.
تجذب الخلفيات السياسية والاجتماعية كثيرًا من الاهتمام، لكنها لا ينبغي أن تطغى على حقيقة أن النتيجة ستُحسم بتفاصيل كروية دقيقة: تمركز دفاعي، كرة ثابتة، انتقال سريع أو لحظة فردية من مبابي أو حكيمي أو أوناحي.
لا يحتاج المغرب إلى حمل التاريخ كله فوق أكتاف لاعبيه، ولا تدخل فرنسا المباراة للدفاع عن ماضيها أو نموذجها الاجتماعي.
تكفي أهمية ربع النهائي وحدها لصناعة الضغط.
الفائز سيبلغ المربع الذهبي لمواجهة الفائز من مباراة إسبانيا وبلجيكا، فيما سيغادر الخاسر بطولة بدا خلالها قادرًا على الوصول إلى أبعد نقطة.
لكن كرة القدم لا تستطيع دائمًا التحكم في المعاني التي يضعها الجمهور داخلها.
قد تكون المباراة بالنسبة إلى لاعب محاولة للتأهل فقط، بينما تصبح لدى مشجع اختبارًا للهوية، أو استعادة لذكرى عائلية، أو فرصة لرؤية البلد الذي ينتمي إليه قادرًا على هزيمة أحد كبار العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك