فجر 28 يونيو/ حزيران 2026، نفذت قوات جهاز مكافحة الإرهاب والجيش عملية اعتقال واسعة داخل المنطقة الخضراء بتوجيهات من رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي.
أسفرت العملية عن اعتقال 47 شخصًا، بينهم 12 نائبًا على الأقل في مجلس النواب، ومصادرة مبالغ مالية كبيرة شملت 11 مليون دولار نقدًا و98 مليار دينار عراقي، إضافةً إلى كميات من الذهب وعقارات في مناطق مختلفة، وأسلحة وذخيرة.
وقال المستشار القانوني لرئيس الوزراء إن من بين المعتقلين النائبة عالية نصيف، حيث تمت مداهمة منزلها ومصادرة مبالغ وذهب.
كما أعلن القضاء تقدمًا في تحقيقات تشمل وكيل وزارة النفط السابق علي معارج البهادلي، الذي يواجه اتهامات بتسهيل تهريب النفط وارتباطات بشبكات مرتبطة بفصائل مدعومة من إيران.
بين الإعلان والواقع: حملة أم مواجهة جذرية؟تعد هذه العملية الأبرز من نوعها منذ فترة في استهداف نواب حاليين ورفع الحصانة البرلمانية داخل المنطقة الخضراء، حيث اعتمدت التحقيقات على اعترافات سابقة في ملفات فساد تتعلق بقطاعات النفط والكهرباء والعقود الحكومية.
ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا عما إذا كانت هذه الخطوة بداية لتغيير حقيقي، أم خطوة إعلامية لتعزيز الموقف السياسي.
التركيز الرئيسي ينصب على الربط بين الفساد والفصائل الموالية لإيران، التي تساهم في استنزاف الموارد العراقية.
ووفق تقديرات دولية، خسر العراق أكثر من 300 مليار دولار بسبب الفساد منذ عام 2003.
والردود الشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي كانت متباينة، بين من يطالب باستمرارية الحملة ومن يشكك في قدرتها على مواجهة الشبكات العميقة؛ وبعض الناشطين والصحافيين وصفوها بأنها" ضرورية لكن غير كافية"، مشيرين إلى أن الفساد أصبح جزءًا من بنية النظام السياسي نفسه.
نفوذ الفصائل الموالية لإيران: التحدي الأكبريمثل ملف نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران الجانب الأكثر تعقيدًا وحساسيةً.
وهذه الفصائل، مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وغيرها، استولت على مقدرات اقتصادية واسعة على مر السنين، ومارست التهريب المنظم للنفط والموارد، وسيطرت على منافذ حدودية حيوية، وحوّلت جزءًا كبيرًا من ثروات العراق لدعم أجندات خارجية.
ولم تقتصر أنشطتها على النهب الاقتصادي فحسب، بل ساهمت في تحويل الأراضي العراقية إلى قاعدة انطلاق لهجمات بمسيّرات وصواريخ على دول الجوار العربي مثل السعودية والإمارات والكويت.
وهذه الأعمال أثارت توترات إقليمية مستمرة، وعرقلت تدفق الاستثمارات العربية، وأبقت البلاد رهينة لأجندة طهران الإقليمية.
العلاقة واضحة بين شبكات الفساد والفصائل التي تحمي عمليات التهريب وتستفيد من العقود الحكومية الكبرى، مما يحول ثروات النفط إلى موارد تدعم أجندات إقليمية تؤثر على السيادةورغم الإعلان عن بعض الخطط لنزع السلاح وفك الارتباط بين الحشد الشعبي والأطر السياسية، فإن هذه الفصائل تمتلك نفوذًا متجذّرًا داخل الإطار التنسيقي الذي رشح الزيدي نفسه لرئاسة الوزراء.
وإن الولاء الأعمى للخارج يجعل أي محاولة لاستعادة السيادة الكاملة أمرًا صعبًا للغاية من حيث تحوّل بعض هذه المجموعات إلى اقتصاد موازٍ قوي يموّل نفوذًا خارجيًّا مباشرًا، على حساب الشعب العراقي الذي يعاني من الفقر المدقع وتردي الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والصحة والتعليم.
وهذا النفوذ لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى المؤسسات الحكومية والاقتصادية، مما يعيق أي إصلاحات حقيقية.
الربط بين الفساد والنفوذ الخارجيالعلاقة واضحة بين شبكات الفساد والفصائل التي تحمي عمليات التهريب وتستفيد من العقود الحكومية الكبرى، مما يحول ثروات العراق، خاصة النفط، إلى موارد تدعم أجندات إقليمية.
وهنالك حالات مثل تلك المرتبطة بمعارج البهادلي تكشف كيف يتم خلط النفط وتزوير الوثائق لصالح إيران وجهات خارجية.
وتجفيف هذه المنابع يتطلب أكثر من حملات اعتقال مؤقتة ومداهمات ليلية؛ إنه يحتاج مواجهة هيكلية عميقة لنفوذ إيران الذي أبقى العراق رهينة لتوترات خارجية طوال عقدين من الزمن تقريبًا.
التاريخ العراقي يظهر أن حملات مشابهة غالبًا ما تواجه مقاومة شديدة من المتضررين، سواء من خلال ضغوط سياسية داخل البرلمان، أو محاولات تعطيل قضائية، أو حتى ردود أمنية غير مباشرة.
كما أن الضغط الدولي، وخاصة الأميركي، يدفع باتجاه جدول زمني واضح لنزع السلاح، لكن تحويل هذا الضغط إلى نتائج ملموسة يبقى تحديًا كبيرًا في ظل التوازنات الداخلية الهشة والمصالح المتشابكة.
كما أن الاعتماد على قوى سياسية مرتبطة بالإطار التنسيقي يثير تساؤلات حول مدى الاستقلالية في اتخاذ قرارات جذرية.
آفاق غير مؤكدة أمام تحديات متراكمةالطريق أمام أي جهود لاستعادة السيادة لا يزال طويلًا ومحفوفًا بالمخاطر.
والعراق يواجه احتمالات ردود أفعال من قوى متضررة، سواء ضغوط إقليمية مباشرة من طهران أو محاولات زعزعة أمنية داخلية.
كذلك، هناك صعوبة في استمرارية أي حملة تواجه شبكات نفوذ إيراني متجذّرة في مختلف المستويات.
التجارب السابقة في عهود حكومات متعددة أظهرت أن مثل هذه الجهود غالبًا ما تفقد زخمها بعد الموجة الأولى من الاعتقالات الإعلامية.
في الوقت نفسه، يعاني العراق من أزمات متراكمة؛ بطالة مرتفعة، خدمات متدنية، واعتماد شبه كامل على النفط الذي يتم تهريب جزء كبير من إيراداته.
أي حملة ناجحة يجب أن تؤدي إلى استرداد فعلي للأموال وإعادة توجيهها نحو التنمية، وليس مجرد اعتقالات مؤقتة.
ومع ذلك، فإن قوة النفوذ الإيراني عبر الفصائل تجعل هذا الهدف بعيدَ المنال في المدى القريب.
في النهاية، يبقى العراق أمام اختبار وجودي حقيقي؛ هل يستطيع فرض احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي، أم يظل ساحة مفتوحة للنهب المنظم والنفوذ الخارجي؟الشعب العراقي يتابع التطورات باهتمام شديد، في ظل إحباط مزمن من استمرار النزيف الاقتصادي والأمني.
الأسابيع والأشهر القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه التحركات ستؤدي إلى تغيير جوهري أم ستبقى خطوات إعلامية محدودة لإثبات وجود سياسي في بيئة معقدة تهيمن عليها التوازنات الإقليمية والداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك