لا يخفى على أحد التململ الشعبي وتردي الأوضاع المعيشية في تونس من نسب البطالة القياسية إلى تردي المقدرة الشرائية، وصولًا للخيارات الاعتباطية لسلطة أمعنت في اختبار صبر الشعب.
شهدت الأشهر الأخيرة وتيرة متصاعدة في احتجاجات أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل بجميع ولايات الجمهورية.
هذا المكون بالذات الذي لا يمكن أن تتهمه السلطات بالتآمر أو محاولة تأليب الشارع، إذ لا يمكن إلا اعتبارهم أصحاب المظلومية الأكثر شرعية.
لكن هذا لم يمنع السلطات من أن تواجههم بالبوليس في آخر تحرك لهم، الأمر الذي لا يعبر إلا عن إفلاس السلطة الأخلاقي الذي ما كف يغدق الوعود لهذه الفئة بالذات، لمطالب لم تتحقق ولن تتحقق على الأرجح في القريب المنظور، والذي يعبر أيضًا عن الذاكرة القصيرة للسلطات المتعاقبة، إذ لم تستوعب دروس الماضي القريب والذي مثل فيه مطلب التشغيل الضلع الأول لمثلث مانيفستو الثورة المتمثل في" شغل، حرية، كرامة وطنية".
لم يستوعب النظام دروس الماضي القريب الذي مثّل فيه مطلب التشغيل الضلع الأول لمثلث مانيفستو الثورة التونسية المتمثل تاريخيًّا في شعار شغل، حرية، كرامة وطنيةورغم أهمية هذا المطلب وقدرته، كما فعل سابقًا، على الإطاحة بأعتى الأنظمة وأشدها بأسًا إلا أنه ليس الوحيد، فيكفي مثلًا أن نذكر تجاهل النظام لنزيف وفيات الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع والمتمثل في العاملات الفلاحيات، والعجز عن توفير الأدوية لأخطر الأمراض، خصوصًا تلك التي لا تقبل التأجيل أو التسويف، نذكر منها أدوية السرطان على سبيل الذكر لا الحصر، والمدارس المتهاوية التي تقع على رؤوس أبنائها بين الفينة والأخرى.
ولعل هذه المفارقة هي الأفضل تعبيرًا على حال البلاد، ففي عهد" البناء والتشييد" تنهار المدارس والمستشفيات المتداعية على أبناء هذا الوطن، منشآت متداعية كحال النظام تمامًا.
حل السلطة: إعادة إنتاج العنفإن النظام الذي انتهج مؤخرًا سردية رسمية تؤجج العنف تجاه المهاجرين وصار فيها الخطاب العنصري خطابًا رسميًّا للدولة يعي جيدًا أن العنف الذي لا يعاد توجيهه نحو فئات أخرى أضعف ولا سبيل لديها للدفاع عن نفسها، سيتوجه نحوها ويلتهمها؛ ولذلك دائمًا ما أظهرت السلطة" إبداعًا" منقطع النظير في توجيه هذا الغضب والاحتقان إلى أي جهة أخرى ما عداها.
فهو الآن يستهدف المهاجرين، وقبلهم المعارضين وقوى المجتمع المدني، وقبلهم المتآمرين وهكذا.
أكباش الفداء كثيرة، المهم ألا تتوجه أصابع النقد نحو السلطة، وكل ما دون ذلك متاح.
إن سياسة الهروب للأمام التي ينتهجها باب قرطاج العالي لا يمكن إلا أن تساهم في زيادة تأجيج الأوضاع ومراكمة الحقد والاحتقان، وتسليط قوات المحلّة على الرعية دائمًا ما بشّر بقرب النهاية، لكن يبدو أن الملك ليس عقيمًا فحسب، بل فاقدًا للذاكرة وللذكاء أيضًا.
الريع والعبث كتوجه رسمي للدولةإن النظام الذي يسجن كل صوت معارض، وينكل بالمساجين السياسيين ويركض وحيدًا في سباق لا يفوز به أبدًا لا يمكن أن يمتلك أي رصيد أخلاقي لتقديم المواعظ والاتهامات، فرغم أن النظام يعمل وحيدًا ودون تضييقات بعد سجن الجميع تقريبًا لم يتمكن من القيام بأي نوع من الإصلاحات وإن كان صوريًّا، وبات كل ما نشاهده عبارة عن مشاهد سريالية لمعارك بطولية متخيلة لم نشاهد فيها سوى القائد دون كيخوت يزمجر ويصرخ في صروح مهجورة.
إن سياسة البناء والتشييد التي تقوم بها دولة دون كيخوت في بناء الطواحين كان من الأجدر أن توجه لبناء شعبها والاستثمار فيه بدل توجيه طاقته نحو مزيد من الفرقة والتناحر في معركة الخاسر الأكبر فيها هو الوطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك