ليس من السهل أن نتناول شخصية الحسين بن منصور الحلاج بوصفها حدثاً تاريخياً انتهى بموته على خشبة الصلب، لأن الرجل تجاوز حدود زمنه، ليغدو واحداً من أكثر الرموز حضوراً في الوعي الثقافي العربي.
فالحلاج لم يكن متصوفاً انعزل عن العالم، بل كان صاحب مشروع روحي وإنساني جعل من الإنسان محوراً لتجربته، ومن الحرية غايتها الكبرى.
اختلف المؤرخون في تفسير شخصية الحلاج، فمنهم من رأى فيه متصوفاً غلب عليه الوجد، ومنهم من عدّه مصلحاً اجتماعياً اصطدم بمصالح السلطة، بينما نظر إليه الأدباء بوصفه بطلاً تراجيدياً دفع حياته ثمناً لأفكاره.
وربما تكمن عظمة هذه الشخصية في قدرتها على استيعاب هذه القراءات جميعاً، لأنها كانت أوسع من أن تُختزل في تفسير واحد.
لم يكن خطاب الحلاج دعوة إلى التصوف المنغلق، بل كان محاولة لإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا.
فالروح عنده لا تنفصل عن معاناة الفقراء، ولا يكتمل الإيمان إذا بقي بعيداً عن آلام الناس.
ولهذا اكتسبت كلماته طابعاً اجتماعياً وأخلاقياً، فبدت وكأنها احتجاج على واقع يسوده الظلم والتفاوت، أكثر مما هي جدل في مسائل العقيدة.
هنا يكمن سر الصدام.
فالسلطة لا تخشى الأفكار المجردة، بقدر ما تخشى الفكرة حين تتحول إلى قوة أخلاقية قادرة على التأثير في الناس.
لذلك لم يكن الحلاج يمثل خطراً بسبب عباراته الصوفية وحدها، وإنما لأنه منح الكلمة سلطة تنافس سلطة السيف، وجعل من الضمير الإنساني مرجعاً في مواجهة الخوف والاستبداد.
تنقل لنا المرويات التاريخية أن الحسين بن منصور الحلاج ولد في واسط 236 هجرية، هو صوفي وشاعر ومعلم للتصوف في العصر العباسي، اشتهر بفلسفته الروحيّة، وطاف العديد من البلدان والمدن لنشر طريقته وفلسفته، فاكتسب شهرة واسعة، وزاد عدد اتباعه، ولاسيما في العاصمة العباسية بغداد، والبصرة وخراسان، قبل مواجهته السلطة، ومحاكمته بتهمة الزندقة.
لقد انتهت حياة الحلاج بالصلب، في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله في يوم 24 ذي القعدة سنة 309 هجرية، وأحرقت جثته وذر رمادها من أعلى مئذنة في بغداد.
غير أن موته لم ينه حضوره.
فالتاريخ كثيراً ما يمنح المهزوم في الواقع، نصراً في الذاكرة.
ومن هنا تحول الحلاج إلى رمز دائم للمثقف الذي لا يساوم على قناعته، وللمفكر الذي يدرك أن الحقيقة قد تكون باهظة الثمن، لكنها تستحق التضحية.
وإذا كان السيف قد حسم المعركة في لحظتها السياسية، فإن الكلمة هي التي ربحت معركة الزمن.
فما زالت تجربة الحلاج تستعاد في الأدب والمسرح والشعر والفكر، لأنها تمثل سؤالاً متجدداً عن العلاقة بين السلطة والحرية، وبين الدين بوصفه تجربة روحية، والدين حين يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء.
نعرف أن الحلاج كان يعيش في عصر بالغ الاضطراب، وعاصر عالماً تتهدده عوامل الانهيار البطيء المؤكد.
فقد اشتعلت ثورة الزنج في جنوب العراق والحلاج له من العمر أحد عشر عاماً، وانه رحل في ذلك الحين إلى البصرة، وهو بعد غلام يافع يتلقى أول مبادئ العلم والمعرفة والتصوف.
ثم اندلعت ثورة القرامطة بعد رحيله إلى الأحواز.
كان الحلاج قد يئس من عصره ومن إمكانية إصلاحه كي يتخلص الانسان من الفقر والقسوة والقهر والاستغلال والعنف، لقد حمل جوهر عصره حين انعكست عليه كل تمزقاته الفكرية والاجتماعية، لم يحمل هذا الجوهر في صورته الجامدة، إنما في صورته الإنسانية الحقيقية.
لم يتردد في البحث عن المخرج الصحيح للإنسان من مأزق الإرهاب والفقر، وحين اكتشف استحالة تحقيق هذه الغاية، قرر أن يمدّ رقبته إلى سيف الجلاد ـ سيد عصره الغشوم ـ لكي يروي بدمه أفكاره العاجزة عن النماء في هذا العصر، الملتاث، القاسي، الضنين.
إن القيمة الحقيقية للحلاج لا تكمن في تفاصيل محاكمته، بل في المعنى الذي تركه للأجيال اللاحقة.
لقد رفض عصره وانطلق لكي يغيره، تمرد على قصور العقل الإنساني، وأن يكتفي بالنجاة لنفسه في الصمت، إنها نجاة الأنذال إذن، أن يصمت على قهره وفقره.
لقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يهزم القهر بمجرد تمسكه بحقه في التعبير عن قناعته، وأن الأفكار الصادقة تمتلك قدرة على البقاء تتجاوز عمر أصحابها.
هكذا لجأ الحلاج إلى الكلمة، بدلاً من السيف الهمجي، يحملها أحلامه ومطامحه إلى وضع إنساني أفضل.
لعل إصراره على مواجهة القوة بالكلمات وحدها هو الذي أمدّه برغبة الشهادة، حين أيقن أنه مقتول لا محالة، وأيقن من ضياع صوته في برية عصره الموحشة.
لعل هذا ما يفسر استمرار حضوره بعد قرون طويلة.
فالحلاج لم يعد شخصية تاريخية فحسب، بل أصبح رمزاً لكل صاحب كلمة حرة، ولكل من يعتقد أن المعرفة مسؤولية، وأن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع بالموقف والشجاعة.
ولهذا بقيت صورته حيّة في الوجدان الإنساني، لا بوصفه شهيد التصوف وحده، بل بوصفه شهيد الكلمة أيضاً.
قراءة الحلاج اليوم ليست عودة إلى الماضي، بقدر ما هي تأمل في الحاضر.
فما تزال الأسئلة التي أثارها قائمة: كيف يمكن للفكر أن يواجه الاستبداد؟ وكيف تستطيع الكلمة أن تبقى حية في مواجهة العنف؟ وكيف يتحول الإنسان إلى قيمة أعلى من السلطة والقوة؟ ولهذا كله يظل الحلاج واحداً من أكثر الشخصيات إشعاعاً في التراث العربي، لأن حياته ومماته يختصران صراعاً أزلياً بين السيف والكلمة، ولأن التاريخ، مهما تأخر، ينحاز في النهاية إلى الكلمة التي تحمل الحقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك