في العاشر من يوليو عام 1919، عرض الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون على مجلس الشيوخ الأمريكي نص معاهدة فرساى، التي أنهت رسميًا الحرب العالمية الأولى، واعتُبرت حينها بداية لعصر جديد من السلام.
لكن ما بدا نهاية لأعنف صراع عرفه العالم آنذاك، تحول لاحقًا إلى أحد أبرز الأسباب التي مهدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية بعد أقل من عشرين عامًا.
من رصاصة في سراييفو إلى حرب عالميةبدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 عقب اغتيال ولي عهد النمسا-المجر، الأرشيدوق فرانز فرديناند، في سراييفو على يد طالب صربي بوسني، لتتحول الأزمة سريعًا إلى حرب شاملة قسمت العالم بين دول المركز بقيادة ألمانيا والنمسا-المجر والدولة العثمانية وبلغاريا، ودول الحلفاء التي ضمت بريطانيا وفرنسا وروسيا، ثم انضمت إليها الولايات المتحدة عام 1917.
وبعد أربع سنوات من القتال، انتهت الحرب بانتصار الحلفاء وسقوط أربع إمبراطوريات كبرى، هي الألمانية والروسية والنمساوية المجرية والعثمانية، لتبدأ مرحلة إعادة رسم خريطة العالم.
مع اقتراب الحرب من نهايتها، طرح الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، في يناير 1918، رؤيته الشهيرة المعروفة بـ «النقاط الأربع عشرة»، والتي دعت إلى سلام قائم على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحرية التجارة، وخفض التسلح، وتسوية النزاعات عبر التفاوض، إلى جانب إنشاء منظمة دولية تمنع اندلاع الحروب مستقبلًا، وهي الفكرة التي تحولت لاحقًا إلى عصبة الأمم.
لكن الرؤية الأمريكية اصطدمت بمطالب الحلفاء الأوروبيين، خاصة فرنسا، التي كانت تسعى إلى معاقبة ألمانيا ومنعها من استعادة قوتها العسكرية والاقتصادية.
مؤتمر باريس.
المنتصرون يرسمون العالمانعقد مؤتمر باريس للسلام في يناير 1919 بحضور قادة الدول المنتصرة، وفي مقدمتهم وودرو ويلسون، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، ورئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، ورئيس الوزراء الإيطالي فيتوريو أورلاندو.
وفي المقابل، غابت ألمانيا والدول المهزومة عن المفاوضات، ولم يُسمح لها بالمشاركة في صياغة الشروط التي فُرضت عليها لاحقًا، وهو ما جعل المعاهدة تُوصف بأنها" سلام المنتصرين".
وقعت ألمانيا معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919، بعد أن فرض عليها الحلفاء سلسلة من الشروط القاسية، شملت التنازل عن نحو 10% من أراضيها ومستعمراتها، وتقليص حجم جيشها، ومنعها من امتلاك سلاح جو، إلى جانب تحميلها المسؤولية الكاملة عن اندلاع الحرب وفق المادة 231، المعروفة باسم «بند ذنب الحرب».
كما أُجبرت ألمانيا على دفع تعويضات مالية ضخمة للحلفاء، بلغت لاحقًا أكثر من 31 مليار دولار آنذاك، وهو مبلغ هائل بمعايير تلك الفترة، تسبب في إنهاك الاقتصاد الألماني لسنوات.
أثارت معاهدة فرساي جدلًا واسعًا بين السياسيين والمؤرخين.
فقد اعتبرها الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز" سلامًا قرطاجيًا"، هدفه الانتقام من ألمانيا أكثر من تحقيق سلام دائم، محذرًا من أن الشروط الاقتصادية القاسية ستقود أوروبا إلى أزمة جديدة.
في المقابل، رأى آخرون أن المعاهدة كانت أقل قسوة مما كانت ألمانيا ستفرضه على خصومها لو خرجت منتصرة من الحرب.
من فرساى إلى الحرب العالمية الثانيةلم تحقق معاهدة فرساي السلام الذي وعدت به، بل خلقت حالة من السخط داخل ألمانيا، حيث اعتبرها كثير من الألمان إهانة وطنية، واستغل أدولف هتلر والحزب النازي هذا الشعور لتأجيج النزعة القومية والتعهد بإلغاء المعاهدة واستعادة مكانة ألمانيا.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والكساد العالمي في نهاية عشرينيات القرن العشرين، تصاعد نفوذ النازيين حتى وصل هتلر إلى السلطة عام 1933، ليبدأ في تفكيك قيود معاهدة فرساي تدريجيًا، وصولًا إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، لتثبت الأحداث أن السلام الذي صيغ في قصر فرساي لم يكن سوى هدنة مؤقتة بين حربين عالميتين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك