العربي الجديد - الغموض يكتنف أسباب حريق هائل بمصفاة نفط في غرب إيران روسيا اليوم - زاخاروفا عن تدنيس قبور جنود سوفيت في هولندا: لن ننسى ولن نصمت على التستر عليها العربي الجديد - انتشار إيبولا في الكونغو الديمقراطية بعيد عن نطاق الرصد الكامل العربي الجديد - إسبانيا تفتح تحقيقاً ضد قادة الجيش الإسرائيلي بسبب "أسطول الصمود" قناة الجزيرة مباشر - عُملة من وَهم | الوجه الخفي لأعقد خدعة رقمية بالعالم وأسرار استمرار خرافة التلفزيون العربي - خروقات إسرائيلية في لبنان.. ترمب يؤكد انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران العربي الجديد - وقفة احتجاجية في غزة لرفض استهداف الاحتلال سائقي شاحنات المساعدات العربي الجديد - جيسوس يحسم الجدل بشأن مستقبل رونالدو مع البرتغال العربي الجديد - بالإرهاب والتهجير.. البؤر الاستيطانية تسيطر على خمس مساحة الضفة التلفزيون العربي - كشف موقفه من استدعاء رونالدو.. جورجي جيسوس مدربًا جديدًا لمنتخب البرتغال
عامة

كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم مجانا؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

الساعة الثامنة صباحا، يصدح مذياع صغير بصوت أم كلثوم تغني" يا صباح الخير ياللي معانا"، فطور خفيف وكوب من الشاي، يتناوله الرجل الستيني وهو يتصفح الجريدة، في طقس يومي لم يتغير منذ أن تقاعد قبل سنوات، ثم ...

الساعة الثامنة صباحا، يصدح مذياع صغير بصوت أم كلثوم تغني" يا صباح الخير ياللي معانا"، فطور خفيف وكوب من الشاي، يتناوله الرجل الستيني وهو يتصفح الجريدة، في طقس يومي لم يتغير منذ أن تقاعد قبل سنوات، ثم يعيد ترتيب المنضدة ويحمل أوراقه وأقلامه وحقيبة بلاستيكية صفراء تحتضن أعز ما يملك، ثم يتجه نحو رصيف مترو المعادي، وفي ركن ظليل يستقر محمد مدبولي، ويبدأ في ممارسة هوايته التي لم تتغير منذ الطفولة.

" سأموت إذا لم أرسم".

بضع درجات في الثانوية العامة حرمت الطالب محمد مدبولي من تحقيق حلمه في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، رغم اجتيازه امتحانات القدرات، ليلتحق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بمعهد فني صناعي لعامين، ثم تخرج فيه والتحق بالعمل في التصميم الهندسي في القوات المسلحة بعد أداء الخدمة العسكرية، استمرت أقلام وأجندة الرسم رفقاء له منذ أن أخبره مدرس التربية الفنية ذات يوم بأن داخله فنانا ينافس الرسامين العالميين.

ولم ينافسهم مدبولي فقط في الموهبة، لكنه كذلك نافسهم في أقدارهم، فكما حُرم فان غوخ من الحب والزواج، عاش مدبولي حياته كلها يبحث عن الحب والزواج والحياة العائلية المستقرة في أحضان أطفال ينجبهم للعالم يورثهم موهبته وعشقه للرسم، لكن لم يمنحه الله هذه الأمنية، فصار يخرج كل يوم من بيته في ضاحية المعادي بالقاهرة، يبحث عمن يعلمه اليوم ويترك في حياته أثرا ملونا.

الخيال هو حيلة مدبولي في الرسم، لا يجلس على رصيف المترو يسجل وجوه المارين من حوله، أو الأشجار الثابتة، وعربات القطارات المتلاحقة، لكن صوت القطار والموسيقى المنبعثة من إذاعة المحطة تمنحه سكونا يجعله يستطيع أن يسترجع من ذاكرته عشرات الصور التي تستحق أن تخلد في ذاكرة دفاتر الرسم التي تحملها حقيبته البلاستيكية ذات اللون الأصفر الفاقع، فسجل فيها لوحات المسيح المصلوب، وصورا من فلسطين المغتصبة، ولوحات من غزة وأهلها، وصورا عن مصر وطبيعتها الساحرة، ووجوه أهلها المتعبة، ونساء شاحبات يبحثن عن الحب أو العيش، " الرسم ليس مجرد هواية.

بل هو قطعة من روحي".

يقول محمد مدبولي -67 عاما- للجزيرة نت إن استمرار قدرته على الخروج من منزله كل صباح وممارسة هوايته الأثيرة يوميا، هو ما يحفظ له روحه وحياته، بعد أن تقاعد من العمل، وتقلصت واجباته العائلية بعد أن غيبت الغربة إخوته، فلم يعد يراهم سوى بضعة أيام كل عام، فصار خوفه من الوحدة هو باعثه الأول نحو البحث عن حياة مختلفة تخلو من أمراض الشيخوخة ووهن الروح.

اختيار مدبولي لمحطة مترو المعادي لم يكن سببه الوحيد هو قربها من منزله.

لكن مرور آلاف الأشخاص بها كل يوم، يمنحه فرصة لتبادل الأحاديث مع الكثيرين دون ترتيب مسبق، بعكس ما يحدث إن جلس في مقهى من المقاهي المنتشرة in شوارع المعادي، فهناك لا مجال لأحاديث غير مرتبة، وفرص نادرة in أن يسأله أحد المنشغلين بهواتفهم عما يرسمه، لكن في مترو المعادي دائما هناك سؤال" هل ترسم؟ ".

المصادفة منحت مدبولي الشهرة المتأخرةمن بين عشرات يقابلهم مدبولي كل يوم ويشاهدون رسوماته، انتشر مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي صورته فتاة تدرس في كلية الطب بعد أن قابلت مدبولي على رصيف المحطة ولاقى آلاف الإعجابات.

لم يكن الفنان يرسم فقط، بل كان كذلك يشرح أساسيات الرسم، ويخبرها عن استعداده لتعليم أي شخص الرسم من الصفر، لم يتوقع مدبولي هذا الحجم من الانتشار.

مدبولي لا يتابع مواقع التواصل، ويكتفي بحساب على واتساب لمحادثة إخوته كل صباح، ثم يغلقه لآخر اليوم، لكن في ذلك اليوم لم تنقطع الاتصالات، البعض يمدح فنه الفطري، وآخرون يسألونه توجيها وتعليما، وثالث طلب منه أن يقيم معرضا للوحاته، ويحفظها من النسيان.

ويقول: " لم أفكر في ذلك من قبل، لكني قررت أن أقيم المعرض في أقرب وقت، ربما كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها القدر ليمنحني فرصة أخيرة".

" جوزيف" طالب في السنة الأخيرة بكلية الفنون الجميلة، استوقفه دفتر الرسومات الذي يقلب مدبولي أوراقه، وقف أمامه ليسأله: " هل ترسم؟ هل يمكنني رؤية ما رسمت؟ ".

تهللت أسارير مدبولي للفتى، وأخذ يقلب أوراق دفتره ويعرض عليه الرسومات شارحا له المنظور والتكوين وزاوية المنظور وكيفية التداخل.

سأله الشاب عن عمله وإذا ما كان مدرسا للتربية الفنية، وعرف أنه مجرد هاو، فأخرج له دفتره الصغير الذي خصصه للرسم في المواصلات، فرح مدبولي بالفنان الشاب، ورأى فيه نفسه صغيرا.

دعا له أن يكون أفضل حظا منه، وأن تمنحه الأقدار أكثر من مجرد فرصة على رصيف مترو المعادي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك