حين تنتهي التجربة، لا ينتهي آثرها.
ثمّة ما يبقى عالقًا في الذاكرة، والجسد، والأمكنة، وفي الأشياء التي نعبرها، دون أن نلتفت إلى أنها تختزن طبقاتٍ تلك الذاكرة.
من هذه الفكرة، ينطلق معرض النسخة السادسة من برنامج الإقامة الفنية «تطبيق 006»، الذي تحتضنه «مساحة الرواق للفنون» تحت عنوان «مساحات عالقة»، والذي افتتح في الـ9 من يونيو، ليستمر حتى الـ23 من يوليو 2026، جامعًا اشتغالات سبعة فنانين، شاركوا في الإقامة.
في هذا المعرض، كما جرت عليه معارض الإقامة الفنية التي تُنظمها «مساحة الرواق»، يفتتح فضاءً للأسئلة على الذاكرة، والفقد، والمدينة، والعائلة، والطبيعة، والمكان.
حيث تتحول جميعها لمواد أولية لفنونٍ مفاهيمية تتعدد وسائطها بين الفيديو، والعمل التركيبي، والطباعة، والمواد الطبيعية، والأرشيف، والنص، لتولد اشتغالات بصرية تستحضر التجربة الإنسانية، وتعيد صوغها في خطابٍ بصري منفتح على التأويل.
ومن يتابع إقامة «الرواق» على مدى الأعوام الماضية، سيدرك أن هذه التجربة رسخت حضورها كمساحة تؤصل للفنون المفاهيمية والممارسات المعاصرة، عبر إتاحة الاشتغال للفنانين الشباب للبحث، والتجريب، وإعادة النظر في أفكارهم، قبل الوصول للعمل الفني.
الذاكرة.
مادة يمكن رؤيتها!تبدأ الأعمال من الإنسان، قبل أن تتشعب نحو كل ما يرسخه في الذاكرة، ففي عملها التركيبي «إليك»، المهدى إلى والدها، تتوقف مرام السليمان عند الفقد، كعلاقة تستمر في إعادة تشكيل حضور من غابوا، منطلقة من الحداد كتجربة شخصية، لتكشف ما يجمع البشر في مواجهة الغياب؛ القصص التي تتكرر على الألسنة، والعادات التي تواصل العيش، والأشياء الصغيرة التي تظل محتفظةً بأصحابها، فهكذا يغدو الراحلون حاضرين في تفاصيل الحياة، وفي ما يخلّفونه من أثرٍ يتجاوز الغياب.
لذلك، تؤكد الفنانة أن العمل «لا يركّز على الموت بحد ذاته، بل على ما يبقى بعده من شذرات اللغة، والعادات الموروثة، والذكريات الحسية.
وكيف يستمر من نحبّهم في الوجود داخل الذاكرة والحياة اليومية».
ينتقل المعرض من الذاكرة الفردية إلى ذاكرة المكان مع سمر الإسكافي، التي تستعيد «البلاد القديم» كطبقات متراكمة من الأصوات والروائح والحكايات، فعملها «مشاهد لا تُرى» يبدأ بسؤال: «من أين أنت؟ أمن جهةٍ تعبرها.
أم من جهةٍ تعبرك؟ »، قبل أن تستدعي الماء الأول، والعيون القديمة، وصوت الأذان، وأسماء الأزقة، وصوت جدتها، لتنسج من كل ذلك سؤالًا عن هوية تقوم على الأثر الذي يظل قادرًا على إعادة تشكيل الإنسان، إذ تكتب: «هذا العمل ليس استعادةً للماضي، ربما هو إصغاءٌ حقيقي لما بقي منه حيًّا فينا.
للطبقات الخفية التي تتراكم فوق الأمكنة، وللصور التي تعيش في الداخل أكثر مما تعيش في العين».
أما غالية عبدالجواد، فتقارب العلاقة بين الإنسان وصورته من زاويةٍ مغايرة، ففي عملها «الحياة.
سلسلة من اللحظات»، تتخذ الأسطح المعدنية العاكسة، والأدوات المنزلية المألوفة هيئة وسائط بصرية تستدرج المتلقي إلى داخل العمل، فلا يظل واقفًا خارجه متأملًا، وإنما يغدو جزءًا من تكوينه.
ومع كل اقتراب، يتبدل الانعكاس، وتتغير الصورة، فتصير الهوية نفسها في حالة تشكلٍ دائم.
حين تصبح الأشياء اليومية أسئلةً عن المجتمعلا تتوقف الأعمال عند الإنسان، وإنما تتجه نحو البنى الاجتماعية التي تصوغ وعيه، وتعيد إنتاج سلوكياته.
ففي عملها التركيبي «كالت ير»، تبتكر سارة رضا مصطلحًا جديدًا يمزج بين كلمتي (Cult) و(Culture)، لتقارب العائلة كفضاء قد يتحول، أحيانًا، لمنظومة مغلقة تعيد إنتاج الطاعة، والعزلة، والأنماط الموروثة.
فمن خلال شجرة عائلة تُبنى وفق تنظيم هرمي صارم، وتحيط بها الفوضى والتوترات.
تتساءل رضا عن الكيفية التي تستمر بها السرديات القديمة في الانتقال بين الأجيال، وعن قدرة الأبناء على كسر تلك الدوائر المغلقة وصياغة حكاياتهم الخاصة.
ويقترب محمود الشرقاوي، في عمله «ترقّب، تَوثّر، واتزان»، المؤلف من فيديو وجدارية، من لحظةٍ فارقة قد تختزل مسيرةً مهنية تمتد لعقود، إذ لا ينشغل العمل بطبيعة المهنة، بقدر انشغاله بالحالة الذهنية التي تسبق القرار؛ ذلك الترقب، والتوتر، ومحاولة الحفاظ على الاتزان تحت وطأة مسؤولية لا تُرى.
ومن خلال لغة بصرية تجريدية وإيحائية، يعبر العمل المسافة بين الإدراك الداخلي وما ينعكس منه على الخارج.
أما مريم النعيمي، فتغادر نحو المدينة، متخذةً من الفضاء العام موضوعًا للتأمل.
ففي عملها «ما الذي ينمو فوق الأرض؟ » تعيد النظر في الشارع، والأرصفة، والمساحات العامة، باعتبارها نتاجًا لرؤيةٍ تحدد شكل المكان، وما يليق بالبقاء فيه، وما يُدفع إلى الهامش، وذلك عبر رسومٍ مائية، وقصاصات صحف، وفيديو، وعمل تركيبي، تقيم الفنانة النعيمي بين النباتات المحلية والمستوردة، والإسمنت والطبيعة، والمشي وهيمنة السيارة، لتطرح سؤالًا عن المدينة وهي تعيد تشكيل علاقتنا بها؛ علاقةٌ تتراجع فيها الحركة البطيئة، وتتوارى معها تفاصيل صغيرة كانت تصنع معرفة الإنسان بمحيطه، وتمنح المكان ألفته وذاكرته.
هدر.
مراجعة لأثر الإنسانأما يوسف قمبر، فيختار أن يختتم هذا المسار عبر عمله التركيبي «مأدبة الفناء»، مستحضرًا مفارقةً تتكرر كل يوم؛ غذاءٌ يُستورد، ثم ينتهي قسمٌ منه إلى الحاويات.
ومن هذه الصورة البسيطة، ينسج اشتغاله، مستعينًا بجملٍ قصيرة: «خبز ما زال طازجًا.
أرز لم يمسه أحد.
خضروات طازجة.
ثم تُلقى في الحاويات ذاتها مع بقية النفايات».
وما يلبث هذا المشهد أن يتسع، ليغدو الهدر سلسلةً من الموارد المهدورة، كما يكتب: «كل طبق يُهدر ليس مجرد طعام مهدور، إنه ماء مهدور، وتربة مهدورة، ووقود مهدور، وجهد إنساني مهدور، وفرصة مهدورة».
ليجعل المتلقي أمام هذا السؤال: «المستقبل لن يسأل: كم استوردنا من الغذاء؟ بل سيسأل: لماذا أهدرنا كل هذا الطعام؟ ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك