إنّ دخول سرحان عالم المكتبات من بوّابة المكتبة العامة لم يكن دخول موظف يؤدي وظيفته الإدارية، بل كان معنيًا بهمّ ثقافي وقيمي، وكيفية العناية بالتراث الثقافي البحريني بالدرجة الأولى.
إن الحديث عن الدكتور منصور سرحان يحتاج إلى عدة جلسات حوارية وتحليلية ونقدية، لما له من تجربة حياتية ومعرفية متنوعة، كونها على عمره المديد، والله يطول في عمره، ويقدم لنا الكثير من تلك الطموحات والأحلام التي يرسمها لنفسه كل عام ميلادي، وتصبح واقعًا ملموسًا للقراء والمشهد الثقافي، ومع هذا الجهد هناك مجايليه، الذين أسهموا في التجربة الثقافية والأدبية، ويتطلب الكتابة عنهم أكثر من مقال أو عدة جلسات، وهذا ديدن الكتاب والباحثين المخلصين للمشهد الثقافي لمجتمعاتهم، إذ وهبوا حياتهم للبحث والدرس والتدوين، والكتابة الإبداعية، وبعيدًا عن الألقاب، تزخر البحرين بالعديد من هؤلاء، مثل: إبراهيم العريض، محمد جابر الانصاري، علوي الهاشمي، إبراهيم غلوم، علي عبدالله خليفة الذي رحل عن دنيانا مؤخرًا دون استئذان، قاسم حداد، محمد عبدالملك، عبدالله خليفة، أمين صالح، وآخرون.
عمل مولّد بالذكاء الاصطناعيوحين قراءة ما أنتجه سرحان من كتب ومقالات وحوارات، فإننا نطرح على أنفسنا سؤالًا جوهريًا، ما المرجعيات الرئيسة التي جعلت من الدكتور منصور علمًا من أعلام الثقافة في البحرين؟ وتكمن الإجابة، بحسب ما أرى، في تلك المحطات الرئيسة التي شكلت شخصيته الثقافية والاجتماعية والمهنية، ويتمثل بعضها في مجلس والده المرحوم الحاج محمد بن سرحان، الذي يعتبر أول شرارة نحو هذا التاريخ الثقافي الطويل، فهذا المجلس تميز بخطين اثنين؛ العلاقات الاجتماعية والحالة الثقافية.
وهذان البُعدان أسهما في تحفيز الدكتور منصور نحو حب المعرفة والدرس، لأنه كان مداومًا في هذا المجلس الذي كان يتردد إليه رجالات القرية وما يتصفون به من علاقات اجتماعية، والأسلوب الحكائي، بالإضافة إلى استضافة بعض من يقدم من خارج البحرين، ومناقشته في ظروف المجتمعات والناس والحالات المختلفة، فضلًا عن تلك الحوارات التي لا تخلو من الأدب شعرًا وقصصًا.
أما العامل الآخر فيكمن في تفوقه الدراسي منذ المرحل الابتدائية حتى الدراسات العليا، وبسبب الدراسة وحب المعرفة، وإبراز قريته لتكون في مصارف المناطق المدنية الأخرى، أسهم في المؤسسة الرياضة (نادي النويدرات) الذي حمل الاسم آنذاك (نادي النويدرات الثقافي والرياضي) ليؤكد مؤسسوه أهمية الثقافة التي تدعم الحراك الرياضي، الأمر الذي شجع سرحان والشباب الذي في جيله على جعل هذا النادي شعلة نشاط ثقافي وفني، تمثل في التواصل مع شركة نفط البحرين (بابكو)، لعرض الأفلام السينمائية ذات المغزى التربوي والاجتماعي والتثقيفي، ولك أيها القارئ أن تتصور في سبعينيات القرن الماضي وشباب هذه القرية متابع للفن السينمائي، سواء في النادي نفسه، أو في سينما بابكو ذاتها التي كانت تعرض الأفلام، بالإضافة إلى بعض المسرحيات التي كانت تعرض في الندي، ويمثل فيها مجموعة من شباب القرية الذي كان سرحان واحدًا من هذه المجموعة.
ومن هنا لا غرابة حين يتأثر جيلا الستينيات والسبعينيات في قريته والقرى المجاورة بجيل الدكتور منصور، الذي يشاركه في هذا التأثير على سبيل المثال لا الحصر: عبدعلي محمد حسن، مكي سحران، منصور رهون، أحمد جاسم مرهون، بطي حسين، عيسى إسماعيل، ثم عبدالحسن إسماعيل وجعفر الصميخ، وغيرهم الذين كانوا يعملون في حقل التعليم أو شركة نفط البحرين.
وكان هذا في المجتمع الاجتماعي، والمجتمع المدرسي، والوقوف على تلك السلوكيات التي لها إسهامات في بلورة التكوين الشخصي لبعض هذين الحيلين اجتماعيًا وثقافيًا ورياضيًا وتعليميًا.
أما حين نقف عند منجزاته البحثية والتدوين، فقد امتهن العمل البحثي منذ ولج إلى إدارة المكتبات بالعاصمة النامة (المكتبة العامة)، ثم مكتبة الشيخ عيسى، بل حتى اليوم بعد تقاعده من العمل الذي استمر ستين عامًا، إذ أنتج (60) كتابًا، وهي كتب متناول الثقافة البحرينية بالدرجة الأولى.
وربما يتساءل القارئ، لو لم يدخل سرحان عالم المكتبات، هل سينتج كل هذا الكم من الكتب؟ أو هل سيكون كاتبًا؟ وهنا أجيب أن تكوين الدكتور منصور الثقافي كان يفرض عليه أن يكون كاتبًا، سواء امتهن عالم المكتبات، أم مهنة أخرى، بل أرى أن نقله من التعليم المدرسي إلى المكتبة العامة كان نقلًا ليس وظيفيًا، بل نقلًا مهنيًا تشكل بالتدريج ليصبح ما هو عليه، بمعنى آخر، أنه حين وضع رجليه على أول عتبة لبوابة المكتبة العامة، وضع في عقله أنه ليس موظفًا يؤدي عمله الروتيني، إنما سيكون علمًا من أعلام الثقافية البحرينية، وتحقق هدا الحلم أمام مرأى الجميع.
ولو لم يدخل هذا العالم سيكون مرتبطًا بالكتابة والثقافة والإنتاج، فهو يملك موهبة الكتابة السردية.
لا شك أن هناك كتبًا يميل إليها هذا القارئ أو ذاك، وأنا شخصيًا قبل ميلي لأي كتاب، أفرح كثيرًا حين أقرأ خبرًا يشير إلى إصدار له، لأسباب قد تكون مناطقية أو اجتماعية أو تحفيزية، لا أدري.
ولكن هذا هو شعوري، ومع هذا هناك كتب بالنسبة إليّ أعتبرها مهمة جدًا، مثل: الكتب التي وثقت إلى الحركة الثقافية والفنية والصحفية في البحرين، كتاريخ السينما في البحرين، الكتاب والمكتبات، المكتبات في العصور الإسلامية، النشاط النقدي في البحرين، دور المرأة الثقافي، وغيرها من الكتب التي لا يستغني عنها أي باحث يريد الكتابة عن ثقافة البحرين.
إن دخول سرحان عالم المكتبات من بوابة المكتبة العامة لم يكن دخول موظف يؤدي وظيفته الإدارية، بل كان معنيًا بهمّ ثقافي وقيمي، وكيفية العناية بالتراث الثقافي البحريني بالدرجة الأولى، ومتابعة ما كان ينتج سنويًا لمؤلفين بحرينيين، ونتج عن هذا التوجه، والإيمان الشخصي بدور الموظف المثقف، هذا الكم الكبير من المؤلفات التي أقسمها الى خمسة مجالات: الأول: رصد ما يصدر من كتب سنويًا بحكم عمله وتخصصه تحت عنوان (الببلوغرافيا).
الثاني: توثيق الحراك الثقافي في البحرين، وهو الغني بالذاكرة الجماعية، التي لا تخص فردًا معيّنًا، حيث أرخ ووثق وحلل عن تريخ السينما، والمكتبات، والحركة النقدية، ورصد الحركة الثقافية خلال القرن العشرين، والصحافة وغيرها الكثير، والثالث: السير الغيرية توثيقا وشرحًا مثل: سيرة محمد جابر الانصاري (المفكر والأفكار)، الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (شاعر الطبيعة والجمال)، تقي البحارنة من رواد الثقافة في البحرين، كما دوّن سير بعض رواد الصحافة، كسيرة عبدالله المدني (الكلمة والمواقف)، سيرة أحمد سلمان كمال (عطاء بلا حدود)، ، سيرة حسن الجشي (رائد حركة التنوير في البحرين).
أما الرابع: فيتمثل في تدوين سيرته الذاتية، التي كتبها منفردة، أو جاءت متناثرة على صفحات كتبه التي أصدرها بشكل غير مباشر، الخامس: هو الكتابة الإبداعية، فله قصة بعنوان (رجل في عالم الرؤية)، فضلًا عن النصوص التي كان يكتبها لنفسه كمقطوعات شعرية أو سردية.
إن أهمية التوثيق والتدوين كبيرة جدًا، فهي محرك للباحثين، ودليل استرشاد لهم، وفتح أفق مواصلة البحث انطلاقًا مما دوّن، وهذا يقودنا إلى بعض الكتب التراثية التي لا يمكن لأحد من الباحثين الاستغناء عنها البتة، مثل: معجم الأدباء، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وفيات الأعيان لابن خلكان، مروج الذهب للمسعودي، المحب والمحبوب، والمشموم والمشروب لابن الرفاء، أعلام النساء لعمر رضا كحالة، وغيرها من تلك المصادر والمراجع، وهذا يعني أن ما قدمه منصور للمكتبة البحرينية من جهد معرفي متنوع سيظل محل تقدير كبير عند الباحثين والكتاب، ليس في البحرين فحسب، بلفي المنطقة أيضًا، لذلك ما قدمه طوال الستين عامًا يدخل في سياق المشروع الثقافي، ولكن هل يخدم هذا المشروع الباحثين والكتاب والقراء؟ نعم، وفقًا لمتابعتي لما ينتجه، حيث تسهم كتاباته المتنوعة في حفظ الذاكرة الفردية والجمعية على حد سواء في البحرين.
كما أن ما قام به من جهد وتوثيق للحركة الثقافية الممتدة لأكثر من 120 عامًا نابع من قناعة الباحث بأهمية الحفظ، وصون التراث الثقافي من الضياع أو العبث فيه وبه.
فما أنجزه وأصدره من كتب ستبقى مصادر معرفية مهمة للباحثين والدارسين للإرث الثقافي البحريني عامة، ومرآة للأجيال المتعاقبة، وجسورًا ممتدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
كما يتصف ما أصدره بمتطلبات الكتابة التوثيقية التي تعني أهميةً بتثبيت صحة المعلومات التي كان يوردها بين الحين والأخر إلى أصحابها أو إلى مصادر اعتمد عليها، وهنا تكمن الموضوعية في التدوين والتوثيق والتحليل المبني على العلمية والفنية والتاريخية.
بمعنى آخر، يُعنى الدكتور منصور بحقوق الملكية الفكرية، والأمانة العلمية، ومصداقية العمل التوثيقي الممزوج بالتحليل وتقديم الرأي.
بذلك، ليت بمنصات التواصل الاجتماعي محطات لنشر نتاجه اختصارًا، مع بعض مقالاته، وتلك الحوارات التي أحريت معه في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك