العربي الجديد - تجفيف الطماطم... مصدر رزق موسمي لعائلات تونس العربي الجديد - "إيه بي سي" عن مسؤول أميركي: مفاوضات مرتقبة مع إيران السبت في عُمان قناة التليفزيون العربي - اختبار الميدان الساخن.. الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي يصطدم بعقدة الخط الأصفر العربي الجديد - واشنطن تطالب إيران بإصدار بيان تعلن فيه وقف الهجمات في مضيق هرمز العربية نت - يامال: فرنسا تخشانا لأننا الأفضل وكالة شينخوا الصينية - ارتفاع تكلفة التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز وسط تجدد التوترات العربي الجديد - في محبّة قوت القلوب الدمرداشية وكالة شينخوا الصينية - الخارجية الصينية: وصول فريق من الخبراء الطبيين الصينيين إلى أوغندا للمساعدة في مكافحة إيبولا العربي الجديد - لماذا لا يعلن بوتين الحرب على أوكرانيا؟ وكالة شينخوا الصينية - الرئيسة المكسيكية تحث أجهزة الأمن الأمريكية على عدم القيام بأي عمل أحادي الجانب على الأراضي المكسيكية
عامة

عدت من بنغلاديش.. الثورة قوية والمطر يهطل بغزارة

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة
1

بعد نحو عام من زيارتي السابقة، عدت إلى بنغلاديش مرة أخرى. كنت قد زرتها قبل عام بمناسبة الذكرى السنوية لثورة يوليو/تموز، حيث أتيحت لي فرصة ملاحظة الحماس الذي رافق الثورة، واندفاع الشباب، واستعادة المجت...

بعد نحو عام من زيارتي السابقة، عدت إلى بنغلاديش مرة أخرى.

كنت قد زرتها قبل عام بمناسبة الذكرى السنوية لثورة يوليو/تموز، حيث أتيحت لي فرصة ملاحظة الحماس الذي رافق الثورة، واندفاع الشباب، واستعادة المجتمع أنفاسه، والأجواء النفسية التي ولّدها اللقاء الأول بين الحرية وشعب ظل مكبوتا ومقموعا لسنوات طويلة.

وللأمانة، عندما جئت هذا العام لم أستطع أن أمنع نفسي من استحضار صورة مجازية تربط بين الأمطار التي لم تستوقفني كثيرا في العام الماضي، وبين المسار الثوري الذي شهدته بنغلاديش.

ففي الحقيقة، أول ما يستقبل الزائر داكا ليس غالبا حشود الناس، بل المطر.

ويعد شهر يوليو/تموز على وجه الخصوص أكثر شهور الأمطار الموسمية" المونسون" غزارة.

والمطر هنا ليس مجرد ظاهرة جوية، بل هو فاعل رئيسي يحدد إيقاع الحياة.

فالفصول لا تعرف من صفحات التقويم، بل من لون السماء وشدة الهطول.

وقد يبدأ اليوم بحرارة خانقة تحت شمس لاهبة، ثم لا تلبث السماء أن تتغير كليا بعد الظهر حين تتجمع السحب السوداء فجأة.

فالناس الذين كانوا قبل دقائق يتصببون عرقا تحت الشمس، يجدون أنفسهم فجأة يبحثون عن مأوى من أمطار المونسون المنهمرة.

وقد حدث الأمر نفسه خلال هذه الزيارة.

بقيت السماء صامتة لساعات طويلة دون أي إشارة، ثم أظلم الأفق فجأة، وخلال دقائق معدودة انهمر المطر بغزارة شديدة حتى تحولت بعض الشوارع والأزقة إلى ما يشبه البرك الصغيرة.

كانت عربات" الركشة" تحاول التقدم وسط المياه، وأصحاب المتاجر يسارعون إلى حماية بضائعهم، بينما كان الناس يتعاملون مع هذا المشهد كله وكأنه جزء طبيعي من مجرى الحياة اليومية.

للوهلة الأولى تمنح هذه الأمطار شعورا بالفوضى والاضطراب.

لكن ما إن تتأمل قليلا حتى تجد نفسك تفكر بأن المجتمع البنغلاديشي يحمل شيئا من طبيعة هذه الأمطار.

فهذه الحياة التي تبدو من الخارج معقدة ومبعثرة وصعبة السيطرة، تخفي في داخلها نظاما خاصا بها، وقدرة فريدة على الصمود، وقوة كامنة على التحمل والثبات.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل فهم بنغلاديش يبدأ بفهم مطرها.

فهذا البلد، شأنه شأن أمطار المونسون المفاجئة، قادر على أن يفاجئ المراقبين بما لا يتوقعونه.

ألم تكن ثورة يوليو/تموز التي جرت أمام أنظار العالم قبل عامين مثالا واضحا على ذلك؟ فالشعب البنغلاديشي الذي أرادت الصور النمطية الاستشراقية أن تقدمه باعتباره مجتمعا شرقيا صامتا، مستسلما لقدره، وسلبيا بطبيعته، نهض فجأة ووضع حدا لدكتاتورية استمرت ستة عشر عاما.

وكما فاجأت شجاعة الشباب الذين ملؤوا الشوارع آنذاك كثيرين، فإن المشهد الذي نراه اليوم، بعد عامين من الثورة، يثير بدوره أسئلة جديدة وآمالا عريضة بشأن مستقبل بنغلاديش.

بين وعود ثورة" يوليو/تموز" وواقعهاكان سبب زيارتي هذه المرة المشاركة في افتتاح مجلة" الأمة" ومنصتها الإلكترونية اللتين تصدرهما مؤسسة" أمة فاونديشن".

غير أن الإنسان حين يزور بلدا للمرة الثانية أو الثالثة لا يكتفي بالنظر إلى ما يراه، بل يبدأ بملاحظة ما تغير.

ففي الزيارة الأولى تشدك المشاهد، أما في الزيارات اللاحقة فإن ما يلفت انتباهك هو اتجاه التغيير.

لم تعد بنغلاديش اليوم مجرد بلد أنجز ثورة، بل أصبحت بلدا يحاول أن يعيش ما بعد الثورة.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

فإسقاط الدكتاتورية أسهل بكثير من بناء نظام حر ومستقر.

لقد علمتنا تجارب الربيع العربي أن الأمر لا يتوقف عند نجاح الشعوب في إنجاز الثورات، فالفراغات التي تظهر بعدها سرعان ما تملأها بقايا الأنظمة القديمة، أو التدخلات الخارجية، أو صراعات القوى الجديدة.

ويبدو أن الجميع في بنغلاديش اليوم يدركون هذا الخطر.

ولعل هذا ما يفسر أن الثورة هنا ما زالت حاضرة، لا بوصفها ذكرى من الماضي، بل باعتبارها وعيا حيا ومستمرا.

لم تعد بنغلاديش اليوم مجرد بلد أنجز ثورة، بل أصبحت بلدا يحاول أن يعيش ما بعد الثورة.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

فإسقاط الدكتاتورية أسهل بكثير من بناء نظام حر ومستقرلم يكن النظام الذي أسسته الشيخة حسينة طوال ما يقرب من ستة عشر عاما مجرد سلطة سياسية، بل كان منظومة خوف أحاطت بمؤسسات الدولة كافة.

فقد أصبح قمع المعارضة، وإسكات الصحفيين، وإفراغ الانتخابات من مضمونها، وتسييس القضاء، والاعتقالات التعسفية، وانتشار الفساد، جزءا من الحياة اليومية للبنغلاديشيين على مدى سنوات طويلة.

واليوم، وأنت تتجول في شوارع داكا وتتحدث مع الناس، فإن أول ما يلفت انتباهك هو أنهم باتوا أكثر ارتياحا في التعبير عن آرائهم.

قد لا يكون هذا أمرا يمكن قياسه بالأرقام والإحصاءات، لكنه أحد أهم مؤشرات التحول المجتمعي.

فعدم خوف الناس من الحديث في السياسة، وقدرتهم على انتقاد الحكومة، وظهور الآراء المختلفة في المجال العام، كلها من أولى ثمار الديمقراطية وأهمها.

لقد تحدثت مع كثير من الشباب.

هؤلاء الذين كانوا قبل عامين أبطال الثورة ما زالوا منخرطين في الشأن السياسي.

لكنهم لم يعودوا منشغلين بإطلاق الشعارات بقدر ما أصبحوا منشغلين بمناقشة كيفية بناء المؤسسات.

كيف ينبغي صياغة دستور جديد؟ وكيف يمكن ضمان استقلال القضاء؟ وما هي الآليات التي ينبغي إنشاؤها لمنع أي زعيم مستقبلي من احتكار السلطة المطلقة مرة أخرى؟ورغم أن الصورة أصبحت أوضح مما كانت عليه في العام الماضي، فإن هذه الأسئلة ما زالت تشكل جزءا من النقاش السياسي اليومي في بنغلاديش منذ عامين.

وذلك مؤشر واضح على أن الثورة بدأت تدخل مرحلة النضج.

الأجواء السائدة اليوم في البلاد تشير إلى مرحلة بدأت فيها الحماسة الثورية تفسح المجال تدريجيا لمساعي بناء المؤسسات وترسيخها، من دون أن تفقد المطالبة بالحرية حيويتها أو زخمهاالمرحلة الجديدة بعد الانتخاباتبعد ثورة يوليو/تموز، تولت الحكومة الانتقالية التي تشكلت بقيادة الحائز جائزة نوبل محمد يونس، مهمة تهيئة البلاد للانتخابات.

وقد دخلت الانتخابات التي أجريت في 12 فبراير/شباط 2026 التاريخ بوصفها أول انتخابات تنافسية حقيقية تشهدها البلاد منذ ما يقرب من عشرين عاما.

وكان تشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات أولى المراحل الكبرى في ترجمة مطالب التغيير الشعبي إلى مؤسسات النظام السياسي.

وعلى الرغم من أن الشعب البنغلاديشي أنجز ثورته، فإنه لم يختر إعادة بناء الحياة السياسية من الصفر بالكامل.

ففي الأجواء التي صاغها التأثير الكبير للشباب الذين كانوا القوة المحركة للثورة، لم يتمكن حزب الجماعة الإسلامية من تحقيق النتائج التي كانت متوقعة له انتخابيا.

أما الشخصية التي وصلت إلى السلطة بعد الثورة فقد جاءت من العائلة التي تمثل التقليد السياسي الكبير الآخر في البلاد، وهي عائلة ضياء.

فمرشح الحزب الذي حقق مفاجأة انتخابية بحصوله على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان هو رئيس الوزراء الحالي طارق رحمن، نجل الرئيس الأسبق ومؤسس الحزب القومي البنغلاديشي (BNP) ضياء الرحمن، وكذلك نجل خالدة ضياء التي شغلت منصب رئيسة الوزراء ثلاث مرات وكانت رئيسة للحكومة قبل الشيخة حسينة.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن البنية السياسية التي تشكلت في بنغلاديش على مدى عقود حول سلالتين سياسيتين كبيرتين لم تتغير جذريا.

فالشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة التي أطاحت بها الثورة، هي بدورها ابنة الشيخ مجيب الرحمن، الزعيم المؤسس للدولة.

ولهذا السبب كثيرا ما يتردد في الأوساط السياسية البنغلاديشية توصيف مفاده أن البلاد ظلت لعقود طويلة محكومة بـ" تنافس عائلتين".

فمن جهة تقف الشيخة حسينة وحزب رابطة عوامي ممثلين لعائلة مجيب، ومن الجهة الأخرى تقف خالدة ضياء والحزب القومي البنغلاديشي ممثلين لعائلة ضياء.

أما قصة رئيس الوزراء الحالي طارق رحمن فهي في حد ذاتها قصة منفى وعودة.

فبعد مرحلة الوصاية العسكرية التي شهدتها البلاد خلال عامي 2007 و2008، اضطر إلى الإقامة في لندن سنوات طويلة بسبب القضايا التي رفعت ضده.

وقد عاش ما يقرب من سبعة عشر عاما في منفى فعلي.

وبعد سقوط نظام حسينة أسقطت أو أغلقت نسبة مهمة من تلك القضايا، فعاد إلى بلاده عام 2025، ثم أصبح رئيسا للوزراء بعد الانتخابات التي جرت بعد ذلك بعام واحد.

وعلى الصعيد السياسي، يمثل طارق رحمن امتدادا للتقليد الذي أسسه والده في الحزب القومي البنغلاديشي.

فهو يؤكد على الهوية القومية البنغلاديشية، ويتبنى موقفا متحفظا تجاه السياسات الخارجية شديدة الارتهان للهند، ويدعو إلى إقامة علاقات أكثر توازنا مع تركيا وباكستان ودول الخليج والصين والغرب.

كما يدعم اقتصاد السوق الحرة والقطاع الخاص، ويمثل خطا محافظا ذا نزعة قومية لا يستبعد الهوية الدينية من المجال العام، وإن لم يكن خطا إسلاميا بالمعنى الحزبي المباشر.

ويكشف هذا المشهد أن الشعب البنغلاديشي لا يبحث بعد الثورة عن قطيعة جذرية بقدر ما يبحث عن توازن سياسي قادر على الجمع بين الحرية والاستقرار والاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية في آن واحد.

أما الأجواء السائدة اليوم في البلاد فتشير إلى مرحلة بدأت فيها الحماسة الثورية تفسح المجال تدريجيا لمساعي بناء المؤسسات وترسيخها، من دون أن تفقد المطالبة بالحرية حيويتها أو زخمها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك