تعالوا نتخيل في صباح يوم من قادم الأيام وقد صحونا على اسم ديفيد تريزيغيه، لاعب كرة القدم الفرنسي الشهير المعتزل عام 2015، متصدراً أخبار الرياضة العالمية، لا لأنه تولى مهمة تدريب، أو أُسند إليه دور في فيلم، بل لأن صورته العامة انهارت فجأة، بسبب فضيحة أخلاقية اعترف بها، فخرج اسمه من أرشيف القدم إلى أرشيف العار.
ثم علينا، خيالاً بخيال، أن نذهب إلى الشاطئ الجنوبي من البحر المتوسط، ونخبر تريزيغيه المصري أن ذاك الأصلي متلطخ بالعار إلى النهاية.
ما الذي سيفعله محمود حسن الذي وجد نفسه رهينة مصير شخص آخر؟محمود الذي لقّبوه تريزيغيه في الثامنة من عمره، وجد نصيبه هكذا، لا لشيء سوى أن مدرب البراعم والناشئين في النادي الأهلي المصري منحه اللقب وقال له: اذهب فأنت تريزيغيه.
وقد كان.
الناس قد لا تعرف أن اللاعب محمودٌ ولا حسنٌ، إنما من المؤكد تعرفه تريزيغيه.
وهو لن يكون مسؤولاً بالطبع عن شيء لم يفعله مما تخيلناه، ولا عن رجل لا يربطه به شكل ولا طريقة لعب.
ليس هناك سوى الاسم.
لكن العقل، قبل أن يشرح الفارق بين الاثنين، يكون قد عبر من جسد إلى جسد، واضطر صاحبه إلى الدفاع عن نفسه، فيصير اللاعب العربي ضحية مزمنة، حين تقع الفأس في الرأس، وحين تبقى احتمالاً معلقاً في الهواء.
في حالة اللاعب الأردني يزن النعيمات، وقعت فؤيس صغيرة في الرأس.
فقد أكد المعلّق الرياضي متأسفاً أن المونديال سيكون من دون" روبن هود الأردن".
ما علاقة يزن الأردني بهذه الشخصية، الحقيقي منها والأسطوري؟ذاك يسدد السهم في قلب الحكاية، وهذا يسدد الكرة في الشباكصعلوك إنكليزي نبيل يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء.
ذاك يسدد السهم في قلب الحكاية، وهذا يسدد الكرة في الشباك.
أصحاب الشأن، أي الجماعة الأنغلوأميركية، ظلوا يعرضون روبن هود منذ نصف قرن بالشكل البطولي الرومانسي المعهود، ما عدا فيلمين يفصل بينهما، على نحو ساخر، نصف قرن كامل.
الأول" روبن وماريان" عام 1976، وفيه شون كونري روبن هود عجوز عائد من حروب صليبية طويلة، والثاني" موت روبن هود" الشهر الماضي، وفيه يظهر هيو جاكمان رجلاً مسناً يعيش منفاه الذاتي مثقلاً بذنب عمر من العنف، ويعترف بأنه لم يكن بطلاً كما رتبت الأسطورة صورته.
هكذا يصير يزن النعيمات، من غير أن يطلب، معلقاً باسم رجل لا يعرفه، وبأسطورة تتغير صورتها كلما احتاج راويها إلى وجه جديد.
وهكذا جعلوه روبن ولديه طابور طويل من صعاليك العرب وأمهر الرماة؟مواطنه موسى التعمري أعطوه لقب" ميسي الأردن".
وحين سُئل في بودكاست عن شعوره تجاه اللقب، قال إن ميسي ينجح أحد في فعل ما فعله، ولا يوجد لاعب مثله في العالم.
لكنه في المقابل يريد أن يكون موسى، ويريد من جيله أن يبحث عن لاعب قدوة مسلم.
ثمة طائفة من الميسيين في أكثر من بلد عربي، حتى محمد صلاح نفسه كان واحداً منهم في مطلع حضوره، قبل أن يتوج ويصبح" الملك المصري".
وفي الدوحة أيضاً، حين سجل المعز علي هدفه في كأس آسيا 2019، استدعى المعلق، في لحظة إعجاب خالص لا تخطيط فيها ولا مؤسسة تقف خلفها، اسم راشفورد العرب لوصف اندفاعه.
هنا يتضح ما يميز العنف الرمزي عن أي قهر تقليدي، فلا أحد أُجبر أحداً على شيء، والجميع سعداء في وطن عربي ينفرد بتسمية أي جمهرة رياضية بـ" العرس الرياضي".
وهذا بالذات ما يجعله عصياً على المقاومة، إذ كيف يقاوم المرء شيئاً لا يشعر أصلاً أنه يخضع له؟أينما انتشرت هذه الآلية على هيئة حوادث متفرقة يصنعها جمهور أو معلق في لحظة عابرة، فإن مصر وحدها حوّلتها إلى ما يشبه مؤسسة قائمة بذاتها، على يد أكثر من شخص، ولكن بالتخصص مدرب ناشئين وزع الأسماء الأجنبية على أطفال لم يسجلوا هدفاً واحداً يستحق أن يُروى.
النجاح نفسه، لا الشبه، هو ما يمنح الاستعارة شرعيتها بأثر رجعيفهذا أحمد رمضان صار اسمه بيكهام، وكريم وليد صار نيدفيد، وكريم صلاح الدين أيالا، وأحمد شكري دُعي يوماً راؤول.
هنا يتكشف عمق آخر لهذه الآلية، فالشبه الذي يراه المدرب ليس معياراً ثابتاً يمكن التحقق منه، إنما نبوءة عشوائية تُنسى إن أخفق صاحبها، وتتحول إلى حقيقة راسخة إن نجح.
ويصير النجاح نفسه، لا الشبه، هو ما يمنح الاستعارة شرعيتها بأثر رجعي.
اللاعب مصطفى زكي لم يخترع لقبه، إنما ورثه عن أخيه الأكبر الذي كان يُنادى زيكو في الملاعب الشعبية قبل أن يولد مصطفى، فانتقل الاسم من أخ إلى أخ كما تنتقل الكنية العائلية، حتى بات الفتى أقرب إلى ابن بالتبني لأسطورة برازيلية لم يزرها ربما ولم تزره.
وإذ تتناسل هذه الأسماء الموروثة والممنوحة، يتضح أن ما يجري ليس رصداً لحوادث متفرقة.
إنه توزيع منتظم للقيمة.
من يمنح الاسم ومن يحمله، من يكتب المعيار ومن يقيس نفسه عليه بلا انقطاع.
عند هذه النقطة يكفّ سمير أمين المفكر الاقتصادي الماركسي المصري (1931-2018) عن أن يكون استطراداً اقتصادياً، ويصير أقرب إلى المفتاح الذي كان ناقصاً لقراءة زيكو وتريزيغيه وروبن هود ورفاقهم.
قسّم أمين، الذي يُعدّ أحد آباء نظرية التبعية عالمياً، العالم إلى مركز يحتكر القيمة وأطراف تبقى داخل تبادل غير متكافئ يعطل لحاقها مهما بذلت، لأن قواعد اللعبة نفسها، لا نقص كفاءتها، هي ما يصنع الفجوة.
وعليه، فإن فك الارتباط عنده هو ما يجعل الطرف يخضع علاقاته الخارجية لمنطق حاجته الداخلية، وإقامة معياره الخاص عوض أن يقيس نفسه على إيقاع نظام لا يتحكم فيه، ومع ذلك هو ليس سلوكاً انعزالياً عن العالم.
لربما لو كان سمير أمين بيننا لتحدث عن المنسوب الطبيعي للكرامة الشخصية والجمعية، ونحن في أيام مونديالية، شعارها الكذاب روح رياضية وتنافس شريف.
سنشرح له متى يكون اللاعب متسللاً وسيشرح لنا، كيف نفك الارتباط.
كيف يعود تريزيغيه محمود حسن وروبن هود يزن النعيمات، وكيف لا يفك ارتباطه عن هذا الاسم بالغضب منه وحده، إنما بإقامة ميزان محلي يكفيه بذاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك