هناك أفكار لا تموت في السينما، مهما تكرّرت.
من بينها فكرة الجمع بين شخص يتعامل مع الرصاص والدم بوصفهما جزءاً من روتينه اليومي، وآخر لا يجيد سوى الاختباء والتهرب من المواجهة.
قد تختلف المهن والأسماء، لكن النتيجة غالباً واحدة: مطاردات، ومفارقات، وسيل من المواقف الكوميدية.
فيلم" صقر وكناريا" لا يحاول إخفاء أنه يسير على هذا الطريق، بل يضيف إليه لمساته الخاصة، مراهناً على أول تعاون كوميدي بين محمد إمام وشيكو.
الفيلم، الذي كتبه أيمن وتار وأخرجه حسين المنباوي، يأخذنا إلى عالم بلال (شيكو)، وهو كاتب روايات بوليسية فاشل يعيش هوساً بعالم العملاء السريين، من دون أن يمتلك أيَّ مؤهلات تدعم هذا الطموح.
لكن حظه العاثر يجعله يتعثر بجار استثنائي هو صقر (محمد إمام)، المرتزق التائب.
هذه الوصفة ليست جديدة، لا على أيمن وتار، ولا على بطلي الفيلم.
فالسينما المصرية أدمنت هذا النوع من الثنائيات، وشارك فيها ثلاثتهم سابقاً، كما في فيلم" أبو نسب" (2023) الذي كتبه وتار وجمع محمد إمام (طبيب) وماجد الكدواني (زعيم عصابة).
وقبلها في" قلب أمه" (2018) لهشام ماجد (كاتب فاشل) وشيكو (زعيم عصابة).
وحتى" أحمد وأحمد" (2025)، بطولة أحمد السقا (زعيم عصابة) وأحمد فهمي (مهندس)، سار على الخط نفسه.
كلها أفلام تعتمد على الصدام بين رجل خطير كـ" الصقر"، وشخص مسالم ووديع يشبه الكناريا، بينما يتولى التناقض بينهما صناعة الضحك.
يبدأ الفيلم داخل سجن في أوزبكستان، حيث يقبع صقر الذي يحصل على شريحة إلكترونية تحتوي معلومات بالغة الخطورة، تتصارع عليها عصابات من مختلف أنحاء العالم.
أما يكن (خالد الصاوي)، المسؤول عن العمليات، فيرفض السماح له باعتزال الجريمة لأن الأرباح مغرية و" الشغلانة دي اللي بيدخلها مبيطلعش منها".
كل شيء يوحي بأننا أمام فيلم آكشن أميركي، قبل أن يتذكر الفيلم فجأة أنه مصري.
عندها، يفشل ريموت القنبلة في تفجير السجن، ولا يجد يكن حلاً سوى" عضعضة" البطاريات حتى تعمل من جديد.
تمتد مدة العرض إلى 125 دقيقة، وهي مدة طويلة نسبياً لفيلم يعتمد على ثيمة بسيطة ومألوفة.
ينصب تركيز النصف الأول من" صقر وكناريا" على التعريف بالشخصيات وتأسيس مبررات تلاقيها.
هكذا، تجمع الصدفة بين صقر وبلال في المجمع السكني الذي يقيم فيه الأخير مع طفليه، وزوجته الغيورة الطبيبة ليلى (يسرا اللوزي)، وشقيقتها فرح (يارا السكري) التي تسعى والدتها المتسلطة (انتصار) إلى تزويجها بأي وسيلة، حتى لو اضطرت إلى توزيع صور ابنتها على نصف شباب مصر، باعتبار أن النصف الآخر سبق أن وزعتها عليهم.
لكن بمجرد أن تتعرف الأم إلى صقر، وتعجب به وبعضلاته، أو الـSix Bags، كما تسميها، ستكرس معظم مشاهدها المغرقة في الكوميديا لمساعدته على التقرب من ابنتها وإفساد علاقتها بحبيبها.
هنا نستشعر أن الفيلم لا يكتفي بالاعتماد على محمد إمام وشيكو لصناعة الضحك، بل يوزع الكوميديا على معظم الشخصيات، حتى الثانوية؛ فيسرا اللوزي مثلاً تكشف عن جانب كوميدي لم يظهر كثيراً في أعمالها السابقة، لكن بعيداً عن الإفيهات التقليدية، إذ تعتمد معظم مشاهدها على سوء الفهم والغيرة.
فيكفينا أن نشاهد عندما يخبرها بلال بأنه لا يستطيع إدخالها إلى غرفة الفندق بعدما قتل هو وصقر إحدى أفراد العصابة، مبرراً ذلك بوجود جثة، لترد: " وكمان بتقول عليها جثة؟ ! هي جسمها أحلى مني؟ ! ".
حتى ابنة بلال الصغيرة، مليكة، التي بالكاد بدأت تمشي، تجد لها مكاناً في هذه الكوميديا عندما يضع معها والدها خطة للهروب أثناء اقتحام العصابة للمنزل.
المفارقة أن الخط الدرامي والإنساني الوحيد في الفيلم لا تصنعه المطاردات أو مشاهد القتل والتعذيب، اللذين ينتزعان الضحك أكثر مما يثيران التعاطف، بل في علاقة بلال بابنه.
فما يؤرق الرجل هو نظرة ابنه إليه، لذلك يقضي وقته في اختراع بطولات وهمية يقتبسها من الشخصية الرئيسية في رواياته، ممدوح كناريا، البطل مفتول العضلات الذي يهزم العصابات في شوارع برلين.
وحتى عندما يُفرض عليه موقف ليثبت فيه شجاعته، يتخيل نفسه ذلك البطل: " كناريا يتقدم بثقته المعهودة لتحقيق الهدف.
عاقداً حاجبيه".
في المقابل، يبقى الخط الرومانسي الحلقة الأضعف في الفيلم.
فالعلاقة بين صقر وفرح تتطور بسرعة يصعب تبريرها درامياً.
ولا يمنح السيناريو المشاهد وقتاً كافياً لفهم متى وقع في حبها، ولا كيف أصبح مستعداً للمخاطرة بحياته من أجلها.
وحتى عندما ينتقل الفيلم إلى الآكشن في نصفه الثاني، لا يتخلى عن ثنائيته الأساسية، إذ يبقى الآكشن في خدمة الكوميديا حتى آخر دقيقة، لتتحول المطاردات إلى مصدر للضحك بدلاً من أن تكون مجرد استعراضات حركية.
ففي الوقت الذي يُشغل فيه صقر بتصفية أفراد العصابة، لا يجد بلال وسيلة لمساعدته سوى تشتيت انتباههم بخلع بنطاله فجأة، ليظهر في كل مرة بـ" بوكسر" بلون مختلف، مؤكداً بأنه" عندي منه ألوان تانية"، أو عبر" إعادة تشغيل" صقر بعدما شلت عصابة الياكوزا حركته، فيصعقه بالكهرباء ليتساءل بعد نجاحه: " هو أنا شحنتك ولا إيه؟ ".
لكن، كما يطلب الفيلم من المشاهد ألا يفكر كثيراً في الحبكة، فإنه يطلب منه أيضاً أن يمنح المنطق إجازة لساعتين (مدة العرض)، وأن يستمتع بكمٍّ من اللامنطقيات التي تتجاوز حدود الفانتازيا الكوميدية.
فعصابة ياكوزا كاملة تقرر خلع معظم ملابسها قبل مهاجمة البطلين بالسيوف أمام أحد فروع كارفور، من دون أن تظهر دورية شرطة واحدة.
ولا يختلف الأمر في بقية المطاردات، إذ تتوالى مشاهد إطلاق النار، وتطايُر السكاكين، وانقلاب السيارات، والحرائق، والجثث، بينما يبدو العالم المحيط وكأنه غير معني بما يحدث.
يواصل الفيلم عبثه عندما يظهر صقر فجأة من أماكن غير منطقية في منزل بلال، كحوض الاستحمام، ثم يختفي بالطريقة نفسها.
كما يستغرب ابن بلال أن والده كذب عليه، لكنه لا يبدي أي دهشة من وجود رجل مقيد، وعلى وجهه كدمات، ممدداً على أرضية الصالون.
ومع النهاية، يتبين أن الشريحة الإلكترونية، التي أشعلت كل هذا الصراع، ليست سوى ذريعة لتحريك الأحداث.
فلا يكشف الفيلم عن محتواها إلا في جملة عابرة تخبرنا أنها" تحتوي على أسماء عملاء سريين من آسيا وأوروبا"، من دون أن يمنحها أي حضور درامي يوازي أهميتها المفترضة.
ورغم استغرابنا من هذا كله، إلا أن بلال لا يجد ما يستحق الاستغراب في كل ما يحيط به، باستثناء دخوله مع صقر إلى كارفور مرتديين بدلتين رسميتين، معتبراً أنهما ربما أول شخصين في العالم يذهبان للتسوق بهذه الهيئة.
يمكننا القول إن" صقر وكناريا" هو فيلم" بوب كورن لايت" بامتياز؛ وجبة سينمائية خفيفة ومسلية، تدعونا إلى فصل دماغنا تماماً عن المشاكل والمشاغل، والاستمتاع بالكيمياء الرائعة بين محمد إمام وشيكو، من دون الحاجة إلى شد الأعصاب أو التفكير كثيراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك