كثيرون يغادرون دول الجوار، مثل جنوب السودان، إلى أوغندا، ومنها إلى رواندا أو كينيا أو تنزانيا، بينما يُعاد توطين آخرين في دول مثل هولندا وكندا، في حين يسلك آخرون طرق الهجرة عبر ليبيا وشمال أفريقيا وصولاً إلى أوروبا، أو يتجهون إلى دول الخليج وآسيا وأمريكا اللاتينية.
قال الباحث ورئيس المركز النوبي للسلام والديمقراطية، الدكتور محمد صالح محمد ياسين، إن أزمة اللجوء السودانية دخلت مرحلة جديدة لم تعد تقتصر على النزوح الداخلي أو اللجوء إلى دول الجوار، بل تطورت إلى ما وصفه بـ”الهجرة الثانية والثالثة”، في ظل تزايد أعداد السودانيين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط باتجاه أوروبا، رغم المخاطر التي تودي بحياة بعضهم، مؤكداً أن شروط العودة الآمنة والطوعية إلى السودان لا تزال غير متوفرة.
وأوضح ياسين أن عدد السودانيين الذين ينجحون في الوصول إلى أوروبا يفوق بكثير عدد من يفقدون حياتهم أثناء العبور، وهو ما يخلق انطباعاً لدى بعض اللاجئين بأن مخاطر الرحلة، رغم جسامتها، قد تكون مقبولة مقارنة بغياب البدائل.
وأضاف أن حركة اللاجئين السودانيين لم تعد تقتصر على النزوح أو اللجوء إلى دول الجوار، وإنما أصبحت تتسم بتعدد مسارات الهجرة، حيث ينتقل اللاجئون من دولة إلى أخرى بحثاً عن فرص أفضل لكسب العيش والاستقرار.
وأشار إلى أن كثيرين يغادرون دول الجوار، مثل جنوب السودان، إلى أوغندا، ومنها إلى رواندا أو كينيا أو تنزانيا، بينما يُعاد توطين آخرين في دول مثل هولندا وكندا، في حين يسلك آخرون طرق الهجرة عبر ليبيا وشمال أفريقيا وصولاً إلى أوروبا، أو يتجهون إلى دول الخليج وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ونوه إلى أن العامين الأخيرين شهدا توسعاً في ظاهرة الهجرة المتعددة، إذ لم يعد كثير من اللاجئين يكتفون بالبقاء في أول دولة لجوء، بل يواصلون الانتقال إلى دول أخرى توفر قدراً أكبر من فرص العمل والحماية.
ولفت إلى أن بعض الشباب والشابات الذين يصلون إلى إيطاليا أو اليونان أو بقية دول جنوب أوروبا والدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، يواصلون رحلتهم لاحقاً إلى دول أوروبية أخرى.
وأوضح أن عدداً من اللاجئين في معسكرات اللجوء، خاصة في ليبيا وبعض الدول الأخرى، يواجهون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة في ظل تراجع المساعدات وانسداد آفاق الحلول، وهو ما يدفعهم إلى التفكير في عبور البحر الأبيض المتوسط رغم مخاطره.
وأضاف أن نجاح كثير من المهاجرين في الوصول إلى أوروبا، وتحويلهم الأموال إلى أقاربهم وأصدقائهم، يشجع آخرين على خوض التجربة نفسها.
وأكد ياسين أن رغبة بعض اللاجئين والنازحين في العودة إلى السودان لا ينبغي تفسيرها على أنها دليل على تحسن الأوضاع الأمنية، مبيناً أن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى وجود رغبة لدى أعداد كبيرة من اللاجئين في دول الجوار والنازحين داخلياً في العودة إلى مناطقهم الأصلية أو إلى مدن انخفضت فيها حدة القتال، رغم استمرار الظروف الإنسانية الصعبة فيها.
وقال إن الدوافع الاقتصادية تعد من أبرز أسباب التفكير في العودة، نتيجة تراجع فرص كسب العيش، واستمرار الضائقة الاقتصادية، وغياب مصادر الدخل، وتراجع المساعدات الإنسانية، وارتفاع تكاليف المعيشة والنقل، إضافة إلى الإرهاق الذي أصاب اللاجئين مع طول أمد اللجوء، فضلاً عن الحنين إلى الوطن، ولمّ شمل الأسر، والاطمئنان على المنازل والممتلكات.
وأضاف أن انخفاض حدة القتال وتحسن الأوضاع الأمنية بصورة نسبية في بعض المناطق شجعا بعض المواطنين على العودة، كما ساهمت بعض المبادرات الرسمية وشبه الرسمية، التي توفر وسائل نقل مجانية، في تشجيع فئات محدودة على اتخاذ هذه الخطوة.
وفي المقابل، شدد ياسين على أن استمرار العمليات العسكرية لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام عودة اللاجئين، مشيراً إلى استمرار القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، إلى جانب تدمير المنازل والبنية التحتية، وضعف الخدمات الأساسية، وفقدان كثيرين لوثائقهم الشخصية أو مستندات ملكياتهم.
وانتقد ما وصفه بالمبالغات الإعلامية في تناول ملف العودة، معتبراً أن الأخبار المضللة وتقنيات التزييف العميق زادت من حالة عدم اليقين لدى اللاجئين بشأن حقيقة الأوضاع داخل السودان.
كما حذر من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين السودانيين في بعض دول الجوار، واصفاً ذلك بأنه تطور مقلق نفسياً واجتماعياً، لكنه دعا إلى التمييز بين الخطاب المتداول على منصات التواصل الاجتماعي والسياسات الرسمية للدول والمجتمعات المضيفة، مؤكداً أنهما لا يتطابقان بالضرورة.
وأضاف أن تحول هذا الخطاب إلى ممارسات تمييزية أو قيود على العمل والتعليم والإقامة قد يدفع مزيداً من اللاجئين إلى البحث عن بدائل أخرى، لتصبح خياراتهم محصورة بين البقاء في ظروف لجوء تتدهور تدريجياً وباستمرار، أو المجازفة بالهجرة غير النظامية إلى أوروبا، أو العودة إلى السودان رغم غياب شروط العودة الآمنة والطوعية.
ونبه إلى أن انتشار خطاب الكراهية لا يهدد اللاجئين السودانيين وحدهم، وإنما يهدد أيضاً المجتمعات المضيفة، لأنه قد يقوض تقاليد التضامن والاستضافة ويؤدي إلى الاستقطاب، داعياً إلى تعاون الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المستضيفة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لضمان إدارة قضايا اللجوء وفق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وأكد ياسين أن شروط العودة الآمنة والطوعية، وفق معايير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما تزال غير متوفرة، موضحاً أن الغالبية تربط قرار العودة بالتوصل إلى اتفاق سلام عادل ومستدام يوقف الحرب وينهيها.
وأضاف أن إيقاف الحرب وإنهاءها، ومعالجة جذور الصراع، وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وسيادة القانون، تظل الشروط الجوهرية التي يمكن أن تهيئ لعودة طوعية وآمنة ومستدامة، وتحد، في الوقت نفسه، من تصاعد الهجرة غير النظامية نحو أوروبا وغيرها من الوجهات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك