عمان - في وقت يواصل فيه الأردن تطوير سوق العمل وتعزيز بيئة التشغيل، تبرز قضية إنفاذ تشريعات العمل كتحدٍ رئيس لضمان حماية حقوق العمال ورفع جودة الوظائف، خصوصا مع تنامي أنماط العمل الجديدة، واتساع الاعتماد على العمالة المهاجرة، وتغير طبيعة العلاقات بين أصحاب العمل والعاملين.
اضافة اعلانوتشير ورقة أعدتها منظمة العمل الدولية إلى أن وجود القوانين وحده لا يكفي لضمان حماية العمال، إذ إن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق هذه القوانين في مواقع العمل عبر أنظمة تفتيش فعّالة، وآليات شكوى سهلة الوصول، ومؤسسات قادرة على معالجة المخالفات وتعزيز الامتثال.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للأردن، الذي يعد من الدول التي تستقبل أعدادا كبيرة من العمال المهاجرين في عدة قطاعات، إلى جانب وجود تحديات مرتبطة بالعمل غير المنظم، وظروف التشغيل، وضمان وصول العاملين إلى حقوقهم القانونية.
وبحسب منظمة العمل الدولية، فإن عالم العمل يشهد تحولات متسارعة نتيجة انتشار التعاقد من الباطن، وسلاسل التوريد العالمية، والوظائف المؤقتة، ومنصات العمل الرقمية، واستمرار ظاهرة الاقتصاد غير المنظم، ما يجعل مهمة تطبيق قوانين العمل أكثر تعقيدا من السابق.
تؤكد منظمة العمل الدولية في ورقتها أن تفتيش العمل لا ينبغي النظر إليه باعتباره أداة للعقوبات فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة لتحسين الالتزام بالقوانين، ومنع النزاعات، ورفع إنتاجية الشركات، موضحة أن نجاح أنظمة التفتيش يعتمد على عدة عوامل، منها توافر موارد كافية، ووضوح التشريعات، واستخدام البيانات لتحديد أماكن المخاطر، والتعاون بين الحكومة وأصحاب العمل والعمال.
كما تشير إلى أن قياس نجاح التفتيش يجب ألا يقتصر على عدد الزيارات التفتيشية أو على حجم العقوبات، بل عليه التركيز على مدى تغير سلوك أصحاب العمل وتحسن مستوى الالتزام بالقوانين داخل المنشآت.
وترى المنظمة أن تحسين ظروف العمل لا يمثل عبئا اقتصاديا على الشركات، بل يمكن أن يسهم في رفع الإنتاجية وتقليل الحوادث والإصابات المهنية، وخفض تكاليف الغياب عن العمل، وتعزيز سمعة المؤسسات.
وتبين الورقة أن الحوار بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال عنصر أساسي في بناء سوق عمل أكثر توازنا، إذ يساعد في وضع تشريعات واقعية تعكس احتياجات الأطراف، كما يسهم في حل النزاعات قبل تفاقمها، مؤكدة أن النقابات ومنظمات أصحاب العمل يمكنها لعب دور مهم في نشر الوعي بالقوانين، ومساعدة العمال على معرفة حقوقهم، ودعم جهود التفتيش برصد المخالفات في أماكن العمل.
وفي هذا السياق، تشدد المنظمة على أهمية تسهيل وصول العمال إلى العدالة، سواء عبر أنظمة الشكاوى أو الوساطة أو المحاكم العمالية، لافتة إلى أن عوامل مثل تعقيد الإجراءات، أو ضعف المعرفة بالقوانين، أو الخوف من الانتقام، قد تمنع بعض العمال من المطالبة بحقوقهم.
وتولي الورقة اهتماما خاصا بحماية العمال المهاجرين، باعتبارهم من أكثر الفئات عرضة للمخاطر لعوامل عدة، منها صعوبات اللغة، والاعتماد على صاحب العمل، وضعف المعرفة بالحقوق، والعمل في قطاعات ترتفع فيها احتمالات المخالفات.
وتوضح أن الانتهاكات التي قد تواجههم تشمل تأخر دفع الأجور، أو ظروف العمل غير الآمنة، أو الاستغلال في عمليات التوظيف، مشددة على ضرورة توفير قنوات شكوى آمنة تتيح لهم الإبلاغ عن الانتهاكات دون خوف من فقدان وضعهم القانوني أو التعرض لعقوبات مرتبطة بالإقامة.
وتستعرض منظمة العمل الدولية تجارب دولية مثل أستراليا وكندا واليابان، إذ اتجهت بعض إصلاحات التشريعات فيها إلى منح العمال المهاجرين حماية أكبر عند تعرضهم للاستغلال، وتوفير آليات تمكنهم من تغيير صاحب العمل أو الوصول إلى جهات الدعم القانونية.
وتخلص منظمة العمل الدولية إلى أن تعزيز إنفاذ قوانين العمل يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات الواضحة والتفتيش الفعّال، والرقمنة، والحوار الاجتماعي، وتسهيل الوصول إلى العدالة.
وبالنسبة للأردن، فإن تطوير هذه المنظومة عامل مهم في تحسين جودة الوظائف، وتعزيز الثقة بسوق العمل، وتحقيق التوازن بين حماية العمال ودعم قدرة الشركات على النمو والمنافسة.
وتؤكد أن أفضل أنظمة العمل ليست تلك التي تعتمد فقط على تشديد القوانين، بل التي تجمع بين وضوح القواعد، ودعم الالتزام، وتطبيق فعّال يضمن أن تتحول الحقوق المكتوبة إلى واقع ملموس داخل أماكن العمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك