القدس ـ «القدس العربي»: على عكس الجهات الرسمية الفلسطينية والأردنية التي تجاهلت الوقائع المعلنة التي تضمنتها حادثة توقّيع (سرقة) الولايات المتحدة وإسرائيل لاتفاقية تقضي بتخصيص قطعة أرض في مدينة القدس لإقامة المقر الدائم للسفارة الأمريكية، على أن تُستأجر الأرض لمدة 99 عاماً مقابل دولار واحد فقط، يبدو المقدسي منير قليبو كمن يصرخ بالبرية مدافعا عن حقة في هذه الأرض.
وفي حكاية قليبو، وهو فنان يوثق فلسطين التاريخية وسياسي مقدسي، متنوع الاهتمامات، عمل أكثر من خمسة وثلاثين عامًا في الأمم المتحدة، منهم سبعة عشر عامًا ممثلًا لمنظمة العمل الدولية في فلسطين، يمكن ملاحظة الحماسة المليئة بالإيمان للدفاع عن حقه وأملاكه وأملاك الورثة المقدسيين في لحظة فلسطينية ودولية هي الأصعب، فحادثة توقّيع الاتفاقية، بين وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، عنت بالنسبة له، بداية انتقال السفارة الأمريكية من مقرها الحالي إلى مقرها الدائم الجديد في القدس المحتلة والمثخنة بمظاهر التهويد.
يستغل الفنان والمقدسي قليبو كل تفاصيل يومه في الدفاع عن أرضه، يكرس الوقت لعملية منظمة من العمل الجماعي الخاص، وبمقدار ما يطالب بالتدخل الفلسطيني الرسمي فإنه يكرس الجهد الأكبر بحثا عن ملاك الأرض وعن الفعل الفردي والأهلي والخاص.
ويتساءل على صفحته الخاصة على فيسبوك: «هل تعلم أن الأرض المخصصة لمجمع السفارة الأمريكية في القدس كانت مملوكة لعشرات العائلات الفلسطينية المقدسية؟ وهل تعلم أن كثيرًا من أبناء هذه العائلات لا يعلمون حتى اليوم أن أسماء آبائهم وأجدادهم ما زالت مدونة في السجلات التاريخية كمالكين لهذه الأرض؟ ».
أهمية الإجابة على السؤلين السابقين دفعته لإطلاق حملة بصفته أحد ورثة المالكين الأصليين، لجمع الوثائق وربط الورثة المتفرقين بعضهم ببعض، «حتى لا تضيع الذاكرة التاريخية لهذه الأرض».
ونشر على مختلف المنصات ما يقول عنه بإنه «ورقة توثيقية»، التي أُعدّت بالاعتماد على السجلات التاريخية والخرائط والوثائق المتاحة.
يوجه قليبو دعوة إلى جميع الورثة إلى مراجعة الأسماء الواردة في وثيقة خاصة بالملاك قائلا: «قد يكون اسم عائلتك موجودًا بين هذه القوائم، وقد يكون أحد أقاربك وريثًا لحق تاريخي لا يعلم بوجوده حتى الآن».
ويطالب: «برجاء الحريصين»: قراءة القوائم التي يرفقها بعناية.
ومشاركة هذا المنشور على أوسع نطاق.
والتواصل معه إذا وجد أحد المقدسيين اسم عائلته، أو كانت لديكم وثائق أو صور أو خرائط أو عقود أو أي معلومات يمكن أن تساعد في استكمال الأرشيف التاريخي لهذه القضية.
وحول الغاية من التحرك يقول: «إن الهدف من هذا النداء هو توثيق التاريخ، وجمع الوثائق، والتواصل مع جميع الورثة، والحفاظ على هذا الإرث التاريخي للأجيال القادمة».
وتقع الأرض التي أعلن عن سرقتها عبر عقد إيجار مدته 99 سنة في مجمع ألنبي (Allenby Compound) بحي البقعة، وتبلغ مساحتها نحو 30 دونمًا.
وقد كانت خلال فترة الانتداب البريطاني مؤجرة للحكومة البريطانية لإقامة ثكنات عسكرية، ثم طرأت عليها التحولات القانونية والإدارية التي أعقبت عام 1948.
وفي معرض تفاعله مع الورثة الملاك يكتب مبتهجا: «وصلتنا التعديلات التالية من الأستاذ والباحث المقدسي الأستاذ مازن دجاني من الولايات المتحدة مشكورا.
» ويضيف: «كوثر بنت محمد كمال الدين الدِّجاني، محمد جمال الدين بن محمد كمال الدين الدِّجاني، محمد ربحي بن محمد كمال الدين الدِّجاني، محمد صدر الدين بن محمد كمال الدين الدِّجاني، ربيحة بنت محمد كمال الدين الدِّجاني، حسن صدقي بن الحاج عمر الداودي (الدِّجاني)، حسين بن الحاج عمر الداودي (الدِّجاني)، فهيمة بنت الحاج عمر الداودي (الدِّجاني)، فهمي بن الحاج عمر الداودي (الدِّجاني)، داود بن الحاج عمر الداودي (الدِّجاني).
وكذلك عايشة بنت إبراهيم فيضي موسى العلمي، رويدة بنت إبراهيم فيضي موسى العلمي، وداد بنت إبراهيم فيضي موسى العلمي».
وبهدف تعزيز الإيمان بالقضية وبأهمية الدفاع عنه يستميت قليبو في نشر ما يراها بإنها أهم الروابط الرسمية والإعلامية والحقوقية المتعلقة بملف «مجمع ألنبي» بهدف دفع المالكين والمهتمين على الاحتشاد خلف القضية العادلة.
يحول قليبو أيضا، كافة التفاصيل لإبراز المفارقات وتحول القضية إلى ملف حقوقي وإنساني أمام حالة من التهويد والسطو على أملاك المقدسيين، ولهذا الغرض يكتب نصا بعنوان: «باب الخليل… رياضة فوق الأرض، وذاكرة تحت الحجار» حيث جاء فيه: بالأمس مررت من ساحة باب الخليل، المطلة مباشرة على بوابة باب الخليل وقلعة القدس العريقة، وكذاك على «جبل صهيون» وفي الأفق تلال جبل المكبر، فوجدت مشهدًا لافتًا ومحيرا في آن واحد، فقد خصصت سلطات الاحتلال مساحة واسعة تضم ما يقارب 250 جهازًا رياضيًا مفتوحًا، تعج بالحركة والموسيقى الإسرائيلية والأضواء، حيث كان المئات منهم يمارسون الرياضة ويستمتعون بأمسية صيفية جميلة.
وقفت طويلًا أتأمل المشهد وبالنسبة لي لم تكن الرياضة هي ما استوقفني، فهي حق لكل إنسان، ولا الفرح الذي ارتسم على وجوه الناس، بل المكان نفسه، وما يختزنه بالنسبة لي شخصيا من طبقات من التاريخ والذاكرة.
فعلى بُعد خطوات من هنا تقع الأرض التي كانت يومًا ملكًا لعائلتي وعائلات فلسطينية أخرى، ضمن ما يعرف اليوم بـ«مجمع ألنبي»، الأرض التي تحولت قضيتها مؤخرًا إلى محور اهتمام واسع بعد الإعلان عن تخصيصها لإقامة السفارة الأمريكية، وعلى مقربة منها بأمتار بيوت الأجداد المصادرة في حي الطالبية والبقعة وعلى بعد 50 مترا يقف فندق الإمبريال، فندق جدي الذي حافظ عليه منذ عام 1925 وهو المهدد بالإخلاء من قبل عصابات المستوطنين، وتمتد في تلك الزاوية تحديدا أرض ومقبرة وحي مأمن الله، حيث المقبرة الإسلامية التاريخية التي ما زالت تشهد على قرون من الوجود العربي والإسلامي في القدس.
وأضاف: «في تلك اللحظة شعرت أن المكان يروي حكايتين في آن واحد؛ حكاية مدينة تنبض بالحياة، يسيطر عليها من احتلها لينعم بها مليا، وحكاية ذاكرة لا تزال تبحث عن العدالة.
هنا يركض الناس ويمارسون الرياضة، وهناك تقف الأرض، صامتة، تنتظر من يعيد قراءة تاريخها».
ويختم: «التقطت بعض الصور وصورت مقطع فيديو، ليس اعتراضًا على الحياة، بل حفاظًا على الذاكرة.
فالقدس تتسع للحياة، لكنها تستحق أيضًا أن تُروى كما كانت، وأن تُحفظ روايتها كما حفظت حجارتها أسماء أصحابها عبر الأجيال».
يحضر قليبو في وسائل الإعلام المختلفة، يرد على الصحافيين بسرعة نادرة، ينشر النصوص ويصمم البوسترات التي تتضمن تفصيلا حكاية الأرض المسروقة.
سألت «القدس العربي» قليبو، من أين لك هذا الحماس والاندفاع للدفاع عن أرضك في ظل صمت الغالبية؟ فرد علينا قائلا: «الحماس لا يأتي من فراغ، ولا من رغبة في الظهور أو خوض معركة إعلامية.
بالنسبة لي، هذه الأرض ليست مجرد قطعة عقار، بل هي جزء من تاريخ عائلتي وذاكرة والدي وأجدادي».
وتابع: «الإصرار بصراحة يأتي من طرف والدتي، فوالدتي، رحمها الله، عاشت تجربة النكبة بكل تفاصيلها، وكانت تروي لنا حكايات القدس والبيوت والأحياء كما لو أنها حدثت بالأمس، وكانت تصر على اصطحابي معها خلال جولاتها التفقدية لبيوت الأجداد في حي البقعة والقطمون، فهي لم تكن تورثنا مشاعر الكراهية إطلاقا، بل كانت تورثنا ضرورة التعبير عن الانتماء والإيمان بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الذاكرة مسؤولية قبل أن تكون رواية، كما وساعدتني في توثيق سيرة عائلتها بالصوت والصورة إيماناً منها بأهمية السردية وحفظ تاريخ وتراث العائلة».
وشدد على انه وخلال أكثر من ثلاثين عاماً من عمله في الأمم المتحدة، تعلم فيها أن الحقوق تُحفظ بالوثيقة، وبالقانون، وبالصبر، وبالصوت الهادئ الواثق، لا بالشعارات.
«لذلك فإن دفاعي عن أرض عائلتي ليس دفاعاً عن مصلحة شخصية، بل دفاع عن مبدأ: أن الملكية الخاصة يجب أن تُحترم، وأن التاريخ لا يجوز أن يُمحى لأن الزمن مرّ».
وحول صمت كثر في هذه القضية يقول: «أنا لا أحاكمهم، فلكل إنسان ظروفه وحساباته وآلامه ولكنني اخترت ألا أصمت، لأنني أشعر أنني مدين لأمي أولاً، ولأجدادي، ولأبنائي وأحفادي، بأن أقول: هنا كانت لنا أرض، وهنا كانت لنا قصة، ولدينا من الوثائق ما يثبتها، وسنواصل المطالبة بحقوقنا بالوسائل القانونية والسلمية والحضارية».
وتابع: «إذا نجحت في أن أعيد أسرة واحدة إلى معرفة حقها، أو أن أحفظ وثيقة من الضياع، أو أن أوصل هذه الرواية إلى صحافي أو باحث أو محكمة، فأشعر أنني أديت جزءاً من الأمانة التي حملتها عن أمي، وعن جيل كامل لم تتح له دائماً فرصة أن يُسمِع صوته».
ويشدد في حديثه على أنه «لم أختر هذه القصة، بل وُلدت فيها.
واليوم أشعر بمسؤولية الحفاظ على التاريخ الموثق لعائلتي وللعائلات الكثيرة التي ما زالت أسماؤها محفوظة في هذه السجلات».
ورسالته هنا ليست إعادة كتابة التاريخ، بل التأكد من أن التاريخ يوثق كاملًا قبل أن يطويه النسيان ويضيع الحق لان لا سائل ولا مطالب به.
يصر منير قليبو على وصف نفسه بإنه «ابن القدس وابن التجربة الفلسطينية»، وصف نجده متلاحما مع فعله اليومي في الدفاع عن أرضه وفي حشد الجميع لهذا الغرض، إنه صوت الأمل الفلسطيني القادم من القدس في أصعب اللحظات، نرى ذلك من صوره وكتاباته الواعية التي تعرف ما تريد وتريد ما تعرف بإنه حق لها.
يقول: «لذلك أشعر بالامتنان أن يعرفني الناس اليوم بما هو أقرب إلى قلبي: منير قليبو… ابن القدس قبل أي منصب، وابن التجربة الفلسطينية قبل أي لقب، وبهذا تفتح الأبواب وتدخل في قلوب الناس من غير شروط».
ويختم: «وما دام في اليد كاميرا، وفي القلب ذاكرة، وفي فلسطين حكاية، فما زالت الرحلة مستمرة وقريبا باذن الله معرض خاص في أرقى دول العالم…باذن الله».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك