عمان – شهد الهيكل التنظيمي لوزارة التنمية الاجتماعية تحولات جذرية ومحورية خلال العقد الأخير، انتهت مرحليا بصدور النظام المعدل رقم (35) لسنة 2026 في عدد الجريدة الرسمية الأخير بتاريخ 9 تموز (يوليو) الحالي، على أن يدخل حيز التنفيذ من تاريخ النشر.
اضافة اعلانوجاء النظام المعدل بنسخته الثالثة خلال قرابة 10 سنوات، ليأتي استكمالا للتعديلات التشريعية السابقة في عامي 2015 و2024، فيما تسعى هذه التعديلات إلى مأسسة قطاع الحماية الاجتماعية وتحديث القطاع العام بما يتواءم مع متطلبات الحوكمة الرقمية والرشاقة الإدارية.
من" المساعدين" إلى" الإدارات الكبرى"وبحسب قراءة في الأنظمة الثلاثة، فإن الفروقات الأبرز ظهرت في إدارة الموارد والقيادة الفنية لهيكل الوزارة؛ فبينما كان نظام 2015 يعتمد على تشتيت الصلاحيات بين مديريات منفصلة ومساعدين للأمين العام لشؤون التنمية والإدارة، جاء تعديل 2024 كخطوة انتقالية استحدثت ملفات تواكب العصر، مثل مديرية تمكين المرأة وتكنولوجيا المعلومات.
أما تعديل 2026 الأوسع، بحسب ما رصدته" الغد"، فقد أحدث تغييرات جذرية بإلغاء مناصب مساعدي الأمين العام بالكامل، والاستعاضة عنها بمفهوم" الإدارات الكبرى الكفؤة"، عبر تجميع المديريات الفرعية المتشابهة تحت مظلة أربع إدارات رئيسية تشمل: شؤون الرعاية والحماية، والدعم المؤسسي، وشؤون المحافظات والتنمية، وإدارة صندوق دعم الجمعيات.
وفي المقابل، حافظ منصب الأمين العام على وجوده كرأس للهرم التنفيذي للوزارة، لكنه بات يشرف مباشرة على هذه الإدارات الكبرى دون حلقات وسيطة.
الرقابة والشفافية الرقميةلكن هذه التعديلات الموسعة تحمل عدة أوجه، منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو محل تساؤلات، إذ أظهر النظام المعدل، على صعيد الحوكمة، حصر عضوية" لجنة التخطيط والتنسيق والمتابعة" بالمديرين العامين للإدارات ورؤساء الوحدات الحيوية فقط، وجرى اختزال التضخم الإداري السابق لنظام 2015 الذي كان يضم كافة مديري المركز.
علاوة على ذلك، واكب النظام مستجدات العصر بمأسسة مفاهيم الشفافية وإدارة المخاطر؛ فاستحدث مديرية التحول الرقمي ووحدة الأمن السيبراني لحماية البيانات، توازيا مع إطلاق" وحدة التفتيش والامتثال" و" مديرية حاكمية وشفافية أموال الجمعيات" لضمان أعلى درجات المساءلة ومكافحة التجاوزات المالية.
كما ثبّت النظام الاهتمام بملفي تمكين المرأة ومهننة العمل الاجتماعي لضمان جودة الخدمات الرعائية.
في مقابل هذه التبعات التنظيمية، يفرض الهيكل الجديد لعام 2026 تحديا ماليا يستلزم إعادة هيكلة موازنة الوزارة بشكل جوهري، فالتحول نحو مسميات" المديرين العامين" للإدارات الكبرى الأربع، وفصل مديريتي الموارد البشرية والتطوير المؤسسي مجددا بعد دمجهما عام 2024، قد يرتب تكاليف إضافية على بند الرواتب والمزايا في جدول تشكيلات الوظائف.
علاوة على ذلك، فإن المكاتب الرقابية والتقنية المستحدثة ليست مجرد مسميات إدارية، بل تتطلب مخصصات مالية رأسمالية وتشغيلية ضخمة؛ فوحدتا" الأمن السيبراني" و" التحول الرقمي" تحتاجان إلى برمجيات خاصة، في حين تتطلب" وحدة التفتيش والامتثال" موازنات لوجستية مخصصة للجولات الميدانية والتدقيق، ما يعني أن النظام الجديد لن يكتفي بالمناقلات المالية، بل سيحتاج إلى موازنة مختلفة قادرة على تلبية متطلباته التقنية.
ويظهر النظام المعدل الجديد صلاحيات كبيرة لا يُعرف مدى تأثيرها على العمل المؤسسي ومبادئ الحوكمة، وتأتي في مقدمة ذلك الصلاحية المطلقة الممنوحة للوزير في تعديل ارتباط أي إدارة أو مديرية أو وحدة تنموية في أي وقت، إذ يصبح الهيكل التنظيمي رهينا للاجتهادات الشخصية، وتبرز الإشكالية في ربط" وحدة التفتيش والامتثال" بالأمين العام (المسؤول التنفيذي الأول).
وتتركز الملاحظات الأخرى في إجراءات هيكلة لجنة التخطيط؛ فإقصاء مديري الميدان في المحافظات والألوية وحصر القرار بنخبة المركز القيادية قد يبدو تعزيزا للصلاحيات المركزية.
أما إدخال تعديلات جوهرية في غضون عامين (أواخر 2024 ومنتصف 2026)، فقد يخلق إرباكا وظيفيا في آلية دمج وفصل بعض المديريات؛ فبينما دمج تعديل 2024 مديريتي" الموارد البشرية" و" التطوير المؤسسي"، عاد تشريع 2026 ليفصلهما مجددا، دون معرفة ما إذا كانت هذه التعديلات قد بُنيت على دراسات لقياس الأثر قبل إقرارها.
ويظل الهيكل الإداري الجديد لوزارة التنمية الاجتماعية أمام اختبار حقيقي؛ فبينما يمهد الطريق نحو إدارة رقمية رشيقة ومحوكمة، يبقى المحك الأساسي في كبح جماح الصلاحيات الواسعة، وتأمين المخصصات المالية اللازمة لتشغيل الوحدات التقنية والرقابية، مع ضمان عدم تأثير هذه التعديلات المتكررة على جودة واستمرارية الخدمات المقدمة للفئات المختلفة ضمن اختصاصات الوزارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك