حقق الاقتصاد الوطني نمواً بنسبة 2.
9 % خلال الربع الأول من عام 2026، وهو نمو يراه البعض إنجازاً يُحسب للاقتصاد الأردني في ظل الظروف الإقليمية والدولية الصعبة، فيما يرى آخرون أنه ما يزال دون مستوى الطموحات والتطلعات الاقتصادية للمواطنين.
اضافة اعلانوبرأيي، فإن القضية لا تكمن في نسبة النمو بحد ذاتها، وإنما فيما تعكسه من اتجاهات ومسار الاقتصاد الأردني خلال السنوات الأخيرة، ومدى قدرته على الحفاظ على النمو وتعزيز مرونته في مواجهة التحديات، وبناء قاعدة اقتصادية أكثر استدامة وشمولاً.
فعند قراءة بيانات النمو منذ الربع الأخير من عام 2024، مروراً بجميع أرباع عام 2025، وصولاً إلى الربع الأول من عام 2026، نجد أن النمو الاقتصادي يتحرك ضمن نطاق يتراوح بين 2.
5 % و3 %، وبفروقات محدودة لا تتجاوز أعشار النقطة المئوية، كما تعبر عن ذلك نسبة النمو للربع الأول من عام 2025 البالغة 2.
7 %، مقارنة بنسبة النمو للربع الأول من عام 2026 والبالغة 2.
9 %.
وهو ما يقودنا إلى استنتاج مهم؛ فالمؤشرات تظهر أن الاقتصاد الوطني نجح في الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة، إلا أن هذا الاستقرار لم يتحول بعد إلى نمو متسارع قادر على إحداث تحول ملموس في سوق العمل، ومستويات الدخل، والاستثمار.
وبالطبع، أقول ذلك دون أن أعزل هذه القراءة عن الواقع الإقليمي، فالمنطقة ما تزال تعيش ظروفاً استثنائية ألقت بظلالها على السياحة والاستثمار والتبادل التجاري وأسعار الطاقة، ما يجعل المحافظة على نمو إيجابي في مثل هذه البيئة غير المستقرة إنجازاً ودليلاً على مرونة اقتصادية مكّنت الأردن من امتصاص الصدمات واستئناف النمو مع كل تحدٍ جديد، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من أهميته الإستراتيجية.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول نجاح الحفاظ على استقرار النمو إلى سقف لطموحاتنا الاقتصادية، فالمعيار الحقيقي لقياس نجاح السياسات الاقتصادية لا يكمن في منع التراجع أو المحافظة على الاستقرار فقط، وإنما في رفع معدل النمو إلى مستوى جديد، وتحويله إلى فرص عمل، وزيادة الدخل، ورفع مستوى معيشة المواطنين.
وبالعودة إلى نمو الربع الأول من عام 2026، تشير البيانات المرافقة إلى أن القطاعات الإنتاجية كانت المحرك الرئيس لهذا النمو، إذ ساهمت الصناعات التحويلية بنحو 0.
49 نقطة مئوية من معدل النمو، تلتها الزراعة بنحو 0.
39 نقطة، ثم التعدين واستغلال المحاجر بحوالي 0.
24 نقطة، إضافة إلى مساهمة قطاع الكهرباء والمياه بنحو 0.
08 نقطة مئوية.
ولعل مساهمة هذه القطاعات في رفع معدل النمو تُعد مؤشراً إيجابياً يعكس تحسناً في أداء قطاعات إنتاجية حقيقية، إلا أنها، في الوقت ذاته، تكشف الحاجة إلى توسيع قاعدة النمو لتشمل قطاعات اقتصادية أخرى ما تزال مساهمتها محدودة أو غير مفعّلة بالشكل الكافي في المشهد الإنتاجي.
ما يعني أن التحدي لم يعد تحقيق الاستقرار، بل تحويل هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي أسرع وأكثر شمولاً واستدامة، مدعوماً باستثمارات أكبر، وإنتاجية أعلى، وقيمة مضافة حقيقية، بما يتيح توظيف كامل الإمكانات غير المستغلة، بما في ذلك قطاعا السياحة والاستثمار، اللذان يعدّان من بين الأكثر تأثراً بالظروف الإقليمية والتطورات الجيوسياسية، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، استمرار تحقيق معدلات نمو متقاربة رغم وجود إمكانات تؤهل الاقتصاد الوطني لتحقيق معدلات أعلى متى تحسنت البيئة الإقليمية، وتعززت ثقة المستثمرين، وتدفقت الحركة السياحية بصورة أكبر.
ويدعم ذلك المؤشرات الاقتصادية الأخرى، التي تظهر امتلاك الأردن مقومات استقرار قوية؛ فمعدل التضخم ما يزال دون 2 %، وهو من المستويات التي تمنح صانع القرار مساحة مناسبة لتبني سياسات تحفيزية دون ضغوط تضخمية مرتفعة، يضاف إلى ذلك الاحتياطيات الأجنبية المقدرة بنحو 26.
8 مليار دولار، بما يغطي قرابة 9.
4 أشهر من مستوردات المملكة، وهو مستوى يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني، ويحافظ على الاستقرار النقدي، ويعكس متانة المركز الخارجي للاقتصاد، ويرفع قدرة المملكة على مواجهة الصدمات والتقلبات الخارجية.
ناهيك عن الصادرات الوطنية التي ارتفعت خلال الربع الأول بنسبة 1.
6 % مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، رغم التراجع الطفيف في إجمالي الصادرات بنسبة 0.
4 % نتيجة انخفاض نشاط إعادة التصدير، وهو ما يشير إلى أن محركات النمو الخارجي ما تزال تعمل باتجاه إيجابي، وإن كانت بحاجة إلى زخم أكبر وتوسيع في القاعدة التصديرية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على التوسع، ورفع الإنتاجية، وتوفير فرص جديدة للنمو والتشغيل.
وفي سياق ذلك كله تتجلى مفارقة اقتصادية تستحق التوقف عندها.
فالأردن اليوم يتمتع بمقومات استقرار اقتصادي ونقدي راسخة رغم التحديات غير المسبوقة؛ من تضخم منخفض، واحتياطيات قوية، وقطاع مصرفي راسخ، ونمو اقتصادي إيجابي، ومع ذلك ما يزال الاقتصاد يتحرك ضمن نطاق ضيق بين 2.
5 % و3 %.
وهذا يعني أن التحدي لم يعد في الحفاظ على الاستقرار، بل في تعظيم العائد منه، عبر تحرير الطاقات الاقتصادية الكامنة، وتحفيز الاستثمارات النوعية، ورفع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة القطاعات المولدة للقيمة المضافة، بما ينعكس على توفير فرص عمل مستدامة، ورفع مستويات الدخل، وتحسين جودة حياة المواطنين.
ومن هنا تحديداً تبرز أهمية ربط هذه المؤشرات بمسار رؤية التحديث الاقتصادي، فقد مضى أكثر من ثلاث سنوات على بدء تنفيذ مراحلها، وصولاً إلى مستهدف تحقيق معدل نمو يبلغ 5.
7 % بحلول عام 2033.
غير أن استمرار نمو الاقتصاد ضمن معدلات قريبة من 3 % يفرض سؤالاً جوهرياً: هل تتحرك المؤشرات الحالية بالسرعة الكافية نحو تحقيق مستهدفات الرؤية، أم أن المرحلة المقبلة تتطلب دفعة أقوى في الاستثمار والإنتاجية وتوسيع قاعدة النمو؟وبرأيي، إذا استمرت معدلات النمو في الدوران حول مستوى 3 %، فإن تحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي سيبقى تحدياً لا يستهان به.
فالفرق بين اقتصاد ينمو بنحو 3 % وآخر يستهدف تحقيق 5.
7 % ليس فرقاً رقمياً فحسب، بل فرق جوهري في قدرة الاقتصاد على توليد القيمة المضافة؛ أي الفرق بين اقتصاد يكتفي بالحفاظ على وتيرة نموه الحالية، واقتصاد يحتاج إلى مضاعفة وتيرة نموه تقريباً لتوفير ما معدله 100 ألف فرصة عمل سنوياً على مدار سنوات الرؤية العشرة، ورفع مستويات الدخل، وتحسين الإنتاجية، وزيادة تنافسية المملكة، وتعزيز قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وهذا ما تؤكد عليه أيضاً المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، الذي يشيد باستمرار بمتانة الاقتصاد الأردني واستقراره المالي والنقدي، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن تحقيق معدلات نمو أعلى يتطلب تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار.
لقد نجح الأردن في اجتياز اختبار الاستقرار الاقتصادي، إلا أن الاختبار الأكثر أهمية يبدأ اليوم؛ فالتحدي لم يعد يتمثل في الحفاظ على استقرار يحقق نمواً متقارباً عاماً بعد عام، بل في تحويل هذا الاستقرار إلى قوة دافعة للنمو، وإطلاق مرحلة جديدة من الاستثمار والإنتاج والإبداع الاقتصادي؛ أي الانتقال من إدارة الاستقرار إلى صناعة النمو التراكمي المستدام.
وبرأيي، فإن هذا هو التحدي الحقيقي، وهو أيضاً عنوان المرحلة الاقتصادية المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك