يعيد فيلم «Pressure» إحياء واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ الحرب العالمية الثانية، لكنه لا يروي قصة الجنرالات أو ساحات القتال، بل يسلط الضوء على رجل وقف خلف الكواليس، ليغير بقرار علمي واحد مسار أكبر عملية إنزال عسكري في التاريخ.
وفي معالجة تاريخية مشوقة، يكشف المخرج الأسترالي أنتوني ماراس كيف أسهمت قراءة دقيقة لحالة الطقس في ترجيح كفة الحلفاء، لتصبح الأرصاد الجوية سلاحاً لا يقل أهمية عن الجيوش والأساطيل.
الفيلم، المستوحى من رواية الكاتب ديفيد هيغ التي تحمل الاسم نفسه، يفتتح بعبارة: «هذه قصة حقيقية»، قبل أن يقود المشاهد إلى كواليس التخطيط لعملية «يوم الإنزال» في السادس من يونيو 1944، وهي العملية التي مهدت لتحرير فرنسا وأسهمت في تغيير مسار الحرب ضد ألمانيا النازية.
ويقود البطولة الممثل الإيرلندي أندرو سكوت، الذي يقدم أداءً رفيع المستوى في شخصية العقيد الدكتور جيمس ستاغ، كبير خبراء الأرصاد الجوية في القوات البريطانية.
ويمنح سكوت الشخصية حضوراً هادئاً ومتماسكاً، معتمداً على قوة الأداء الداخلي أكثر من الانفعال، ليجسد عالماً يدرك أن قراراً خاطئاً بشأن الطقس قد يرسل آلاف الجنود إلى الموت.
ويشاركه البطولة بريندان فريزر، الذي يجسد الجنرال دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات الحلفاء، مقدماً شخصية القائد العسكري الذي يجد نفسه أمام أصعب قرار في مسيرته، بين الالتزام بالخطة العسكرية أو الإصغاء إلى التحذيرات العلمية.
ويستعرض الفيلم حجم العملية العسكرية غير المسبوقة، التي شارك فيها نحو سبعة آلاف سفينة، وأكثر من 130 ألف جندي من القوات البرية، و200 ألف من أفراد القوات البحرية، إلى جانب آلاف الأطباء والكوادر الطبية وثلاث فرق محمولة جواً، في واحدة من أكبر عمليات الحشد العسكري في التاريخ.
وتبلغ الأحداث ذروتها عندما يختلف خبراء الأرصاد حول حالة الطقس المتوقعة.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه الخبير الأمريكي كريك، الذي يؤدي دوره كريس ميسينا، أن الظروف الجوية ستكون ملائمة للإنزال في الخامس من يونيو، يتمسك ستاغ برأي مغاير، محذراً من عاصفة وشيكة قد تحول العملية إلى كارثة عسكرية.
ويثير موقفه غضب بعض القادة، إلا أن أيزنهاور يقرر في النهاية الوثوق بتحليله وتأجيل الهجوم أربعاً وعشرين ساعة، وهو القرار الذي تثبت صحته بعد ساعات، عندما تضرب العواصف سواحل فرنسا، قبل أن يرصد ستاغ نافذة من الطقس المستقر في صباح السادس من يونيو، فيوصي بتنفيذ العملية فوراً.
وينجح الإنزال العسكري في الموعد الجديد، ليحقق الحلفاء أحد أهم انتصاراتهم، وتتحرر فرنسا خلال عشرة أسابيع، قبل أن تنتهي الحرب بسقوط برلين وهزيمة ألمانيا النازية.
ويشير الفيلم إلى أن أيزنهاور واصل مسيرته السياسية لاحقاً حتى أصبح الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة.
ولا يكتفي العمل بتوثيق الحدث العسكري، بل يتابع أيضاً حياة جيمس ستاغ بعد الحرب، إذ تمنحه الولايات المتحدة وسام الاستحقاق تقديراً لدوره، قبل أن يعود إلى بريطانيا ليكرس حياته للبحث العلمي في مجال الأرصاد الجوية، بعيداً عن الأضواء التي صنعتها الحرب.
ويتضمن الفيلم واحدة من أبرز الروايات التاريخية المتداولة، حين يستعيد حواراً دار بين الرئيس الأمريكي جون كينيدي وأيزنهاور خلال حفل تنصيبه عام 1961، إذ سأله كينيدي عن العامل الذي منح الحلفاء أفضلية في «يوم الإنزال»، ليجيبه قائلاً: «كان لدينا خبراء أرصاد أفضل من الألمان.
»ويحسب للمخرج أنتوني ماراس أنه يقدم فيلماً تاريخياً متماسك الإيقاع، يبتعد عن الاستعراض الحربي التقليدي، ويمنح مساحة أكبر لصراع القرار والمسؤولية وضغط الوقت، مستنداً إلى سيناريو شارك في كتابته مع ديفيد هيغ، وإلى أداء متقن يتصدره أندرو سكوت، الذي يرسخ حضوره بوصفه القلب النابض للفيلم.
وصُورت مشاهد العمل في كامبر ساندز وكامبر ومقاطعة إيست ساسكس البريطانية، ويُعرض عالمياً منذ 29 مايو الماضي في نسخة تمتد إلى 100 دقيقة، محققاً إيرادات بلغت نحو 17.
5 مليون دولار حتى العشرين من يونيو، ليقدم عملاً يؤكد أن بعض الحروب لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بقرار علمي يتخذ في اللحظة المناسبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك