بدأ السباق لاختيار خليفة الأمين العام للأمم المتحدة المنتهية ولايته، أنطونيو غوتيريش، حيث يتنافس، حتى اليوم، خمسة مرشحين على هذا المنصب، وكجزء من عملية الاختيار أعلن جميع المرشحين رؤيتهم للأمم المتحدة ودور الأمين العام فيها، والمسؤوليات المنوطة به لتنفيذ أعمال المنظمة الدولية.
ويتضح من تصريحات جميع المرشحين للمنصب أن أياً منهم لا يملك أدنى فكرة عما تتطلبه هذه الوظيفة لتحقيق تحسن في عملها، أو ما قيودها، أو كيف ينبغي تقديمها في المستقبل بحيث يكون لها تأثير في السلم الدولي.
وُلدت الأمم المتحدة من حلم لم يتحقق، في عالم لم يكن موجوداً، وجسّدت رؤية الرئيس الأميركي السابق، فرانكلين روزفلت، من حيث الجوهر، لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يسعى إلى منع الحروب من خلال الأمن الجماعي، والتعاون الدولي، وآلية لمعالجة النزاعات وحلها بين الدول على نحو سلمي، قبل أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة.
لكن هذه المبادئ السامية لم تصمد أمام صياغة ميثاق الأمم المتحدة، الذي دخل حيز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، وتبدو الأمم المتحدة، من حيث الجوهر، أشبه بنادٍ يضم منبرين: الجمعية العامة التي يتم فيها تمثيل جميع الأعضاء، ومجلس الأمن الذي يتألف من خمسة أعضاء دائمين و10 أعضاء يتم انتخابهم بالتناوب.
ويخضع كل من هذين المحورين لقيد رئيس واحد: تصويت الجمعية العامة، وهو غير ملزم، ويمكن تجاهله ببساطة، ما يجعله مجرد إجراء شكلي عملياً.
وتخضع قرارات مجلس الأمن، وإن كانت ملزمة من حيث المبدأ، إلى حق النقض (الفيتو) من قبل واحد أو أكثر من أعضائه الخمسة الدائمين، وهم: الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
كان مجلس الأمن مقيداً بأمر جوهري منذ نشأته، وهو أنه لم يكن أي من الأعضاء الخمسة الرئيسين مستعداً لإخضاع ممارسة سيادته الوطنية لإملاءات جهة خارجية.
ومما يزيد من حدة هذا الخلل الهيكلي، أن كل عضو مفروضة عليه رسوم سنوية بناء على معادلة معقدة تتضمن ثروته، ونتيجة لذلك، يدفع 10 أعضاء حالياً 75% من إجمالي رسوم العضوية، بينما يدفع الأعضاء الـ183 المتبقون 25% حداً أقصى.
وشكّلت الحرب الكورية وحرب العراق طرفي نقيض في تاريخ المجلس بين نشأته ونهاية الحرب الباردة، فبعد غزو كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية في 25 يونيو 1950، أذن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باستخدام القوة لصدّها، ومنع مزيد من التدهور في الوضع الأمني في شبه الجزيرة الكورية، ولم يكن ذلك القرار ممكناً إلا بسبب ظرف غير متوقع، وهو مقاطعة الاتحاد السوفييتي لمجلس الأمن آنذاك، وبالتالي لم يكن حاضراً لاستخدام حق النقض (الفيتو)، وهو خطأ لم يكرره السوفييت مرة أخرى.
وكانت النتيجة تدخلاً أميركياً برعاية الأمم المتحدة، مع شرطين: غياب حق النقض، واستعداد دولة ما، هي الولايات المتحدة في هذه الحالة، لإرسال قوات للمشاركة في العملية، وردع الدولة المعتدية.
وعلى مدى نصف القرن التالي، أسهم حق النقض في جعل مجلس الأمن عاجزاً إلى حد كبير عن إقرار استخدام القوة، وكل صراع حدث لاحقاً، من الشرق الأوسط إلى فيتنام والصراع الهندي الباكستاني، وكل ذلك جرى خارج نطاق اختصاص الأمم المتحدة.
وفي 20 مارس 2003، نفذت الولايات المتحدة غزواً في العراق، وحاولت واشنطن، قبل الغزو الحصول على موافقة مجلس الأمن، ولو بصورة غير رسمية، وعندما فشلت في الحصول على هذه الموافقة، قامت إدارة الرئيس جورج بوش الابن بالغزو خارج موافقة الأمم المتحدة.
وأكد غزو العراق حقيقة لم يكن أحد مستعداً لمواجهتها، مفادها: إذا قررت دولة تتمتع بحق النقض استخدام القوة، ولديها الوسائل والإرادة للقيام بذلك، فإن النظام الدولي كما هو مُحدد في ميثاق الأمم المتحدة عاجز عن منعها، وبعبارة أخرى فإن نظام الأمن متعدد الأطراف الذي يُحدده ميثاق الأمم المتحدة، هو في جوهره نظام شكلي، غير موجود في الواقع.
وتبدو الأمم المتحدة، التي انبثقت من الحرب الباردة، وما تلاها، أشبه بهيكل ثلاثي الأرجل، فهي تتألف من الأمانة العامة، و«الأمم المتحدة الفنية» التي تضم 15 وكالة متخصصة، مثل منظمة الأغذية والزراعة، والاتحاد الدولي للاتصالات، ومنظمة الصحة العالمية، و«الأمم المتحدة السياسية» التي تتألف من الجمعية العامة ومجلس الأمن.
ويعد القول بأن الأمم المتحدة السياسية، كما تصورها مؤسسوها، تعاني خللاً جوهرياً هو مختلف عن الأمر الواقع، فمع وجود صراعين رئيسين مستمرين، أحدهما في أوكرانيا والآخر في الشرق الأوسط، فضلاً عن عدد من الصراعات الإقليمية الأصغر في إفريقيا وآسيا التي تقع خارج نطاق اختصاص المنظمة تماماً، أصبحت الأمم المتحدة السياسية، كأداة للأمن الجماعي، غير ذات جدوى.
كما أثبتت الأمم المتحدة الفنية، في المقابل، أي الوكالات المتخصصة، جدواها، مع بعض الإنجازات المتميزة، وإن كان ذلك مع تحفظ واحد، فإذا تُركت البيروقراطية دون رقابة، فإنها تميل إلى التضخم بشكل مفرط، لاسيما عندما لا تخضع لإشراف الدول الأعضاء التي تتهاون في تمويلها.
وينبغي أن تكون مراجعة آلية الرقابة وتفويضها إلى القطاع الخاص، وهي أولوية قصوى، بدلاً من إسنادها إلى دبلوماسيين مترددين من الدول الأعضاء.
ويقود الأمم المتحدة، الأعضاء الذين تتشكل منهم.
والخلاصة هي أنه إذا أراد الأعضاء أن يعمل النظام بفعالية، بدلاً من أن يكون مجرد حل مؤقت لمشكلة عميقة، فلابد من إعادة صياغة جوهره، أي الأمم المتحدة السياسية بصورة جذرية.
وعلى الرغم من أن الجمعية العامة قادرة على الاستمرار بشكلها الحالي، فإن الشرط الأول والأساسي هو إلغاء مجلس الأمن، وهو الأمر الذي من شأنه إلغاء كل من إلزامية قراراته وحق النقض (الفيتو)، ما يجعله مقبولاً لدى جميع الحكومات.
ويمكن الاستعاضة عنه بإنشاء ثماني لجان أمنية إقليمية، للأميركتين، وإفريقيا، وأوروبا «بما فيها روسيا»، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وآسيا، وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي.
وستكون كل لجنة مستقلة، ولها قواعدها الإجرائية وتمويلها الخاص.
وستتضمن العضوية، جميع الدول والمناطق المعنية، ما يسمح لها بالتركيز على القضايا الإقليمية، بدلاً من تشتيت انتباهها أو خضوعها لاعتبارات أخرى، صحيح أن اللجان الأمنية الإقليمية لن تعفي الدول الأعضاء من مخاوفها بشأن ميزان القوى العالمي.
لكن من خلال توفير آلية إقليمية لمعالجة المشكلات الإقليمية، ستقطع هذه اللجان شوطاً كبيراً نحو إيجاد حلول إقليمية أو ضمان عدم تصاعد المشكلات الإقليمية إلى مواجهات أوسع وأكثر كارثية.
عن «آسيا تايمز»الأمين العام الـ 10 لـ «المنظمة»يجري هذا العام انتخاب الأمين العام الـ10 للأمم المتحدة، الذي سيتولى المنصب خمس سنوات، تبدأ في أول يناير 2027، ويتنافس على المنصب خمسة مرشحين.
1.
رافائيل غروسي: دبلوماسي أرجنتيني مخضرم، يبلغ من العمر 65 عاماً، ويشغل منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة منذ ست سنوات.
2.
ريبيكا غرينسبان: تبلغ من العمر 70 عاماً، وتقدم نفسها باعتبارها مؤمنة بالتعددية وتسعى إلى الإصلاح، وهي خبيرة اقتصادية ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة.
3.
ميشيل باشيليت: تبلغ 74 عاماً، وهي رئيسة سابقة لتشيلي لفترتين، ومفوضة الأمم المتحدة السامية السابقة لحقوق الإنسان.
4.
ماكي سال: شغل رئاسة السنغال على مدى 12 عاماً حتى 2024، ويؤكد أن قيادته السابقة لدولة، تمثل عنصراً أساسياً يؤهله لمنصب الأمين العام.
5.
ماريا فرناندا إسبينوسا: تولت وزارتَي الخارجية والدفاع في الإكوادور بحكومة الرئيس السابق، رافائيل كوريا، المنتمي إلى تيار اليسار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك