لا تزال أصداء حملة فجر الأحد في الخضراء تتداول في أزقة المدن، وليالي السمر في بيوتات القرى النائية، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، والغرف المغلقة والمظلمة والمنيرة، بكثير من التشكيك وضعف ثقة المواطن العراقي بأنها ستستمر حتى إنهاء آخر حلقة من شبكة الفساد في البلاد.
الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات بالآلاف التي انتشرت وتنتشر كل يوم حول القبض أو السيطرة على أموال هنا وهناك، وخاصة التي أُخفيت بطرق بدائية وقذرة، تنم عن استخفاف هؤلاء المتهمين بالسلطة وقدرتها على الوصول إليها.
هذه الصور والتعليقات ومقاطع الفيديو، رغم انتشار العشرات من الفيديوهات والصور الممنتجة بالذكاء الاصطناعي، فإن تداولها مستمر ولم يتوقف من قبل مختلف أبناء شعب العراق، لتعلّق العراقي بمثل هذه الأنباء، الذي يحلم كل ليلة بأن يسمع ويشاهد صباح كل يوم حملة جديدة للقضاء على شبكات الفساد الكبرى في البلاد، ومن ثم الفاسدين الكبار، ومن ثم ممثليهم من مختلف الصنوف والمناصب.
هذه الحملة التي كُتب، ولا يزال يُكتب عنها الكثير، بيّنت حجم الفاجعة الكبيرة للأموال بالتريليونات التي سيطر عليها هؤلاء وتمت إعادتها إلى خزينة الدولة، لكنها في الوقت نفسه اعتُبرت حملة انتقام للفقراء في البلاد.
ففي وقت لا تزال آلاف العوائل لا يجدن لقمة عيش بكرامة في البلاد، ولا تزال عشرات الآلاف من العوائل لا يمتلكن أرضاً يبنون عليها منزلاً لائقاً بكرامة الإنسان، يظهر مسؤول يسيطر على عشرات العقارات التي تصل مبالغها إلى تريليونات من الدنانير.
آلاف العوائل لا تجد علاجاً لمرضاها، وهؤلاء المرضى النفسيون (الذين أُلقي القبض عليهم)، أعداء الحياة، يخزنون مئات المليارات من الدنانير في أقبية منازلهم، ومجاري المياه، وجدران البيوت، وعبوات المياه، في منظر يبين مدى بشاعة المشهد، الذي لا يحتاج إلى تفسير سوى أن هؤلاء يجب أن يتم إنزال أشد العقاب بهم.
ففي وقت يعاني البلد من أزمة مالية خانقة، كان هؤلاء يتبجحون على الشاشات، ويقدمون لنا النصائح عن الأمانة وحماية السيادة الوطنية وال.
تزينت وجوههم بإشارات من الكذب والرياء، الذي لن ينساها الفقراء الذين لا يجدون لقمة العيش الكريمة، وهؤلاء كانوا يتسابقون في السطو على الملايين من الدولارات والدنانير دون وازع من ضمير.
حملة الانتقام للفقراء وصفتها فتاة، وهي تشاهد صور وأخبار إلقاء القبض على شخص كان يتوقع أن يدخل قبة البرلمان، قائلة: " فلينتقم الرب من هؤلاء.
أعيل أمي، وشقيقتي، وأخي، وأشقاء وشقيقات لي تفرقوا في بلاد الغربة يبحثون عن لقمة العيش، وهؤلاء يسرقون أموال الشعب.
أي خيانة للبلاد، أي خيانة للأمانة".
توقفت وهي تنظر إليّ لتقول: " هل تتوقع أن تسقط جميع أحجار الدومينو؟ ".
وأضافت: " يااااااااخ، لن يكون مثله يوم، يوم تتساقط تلك الوجوه القذرة في قبضة العدالة، وأتمنى أن يتحول ذلك اليوم إلى عيد وطني نحتفل به كل عام".
لو كان هؤلاء فعلاً لديهم ذرة ضمير، أو على الأقل وفاء للبلاد وأبنائها، لحولوا تلك الأموال إلى مشاريع وشركات ومعامل، لكانت احتوت وساهمت في تشغيل الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل.
لو، ولو أن هذا الأمر لم ولن يتحقق لأنهم فقدوا الضمير.
هذا ما أشار إليه شاب، وهو ينقل لي صور إلقاء القبض على أحد المتهمين.
حملة الانتقام للفقراء لا بد لها أن تستمر، ولكي تكسب المزيد من الشرعية والدعم الشعبي والمؤسسي، يتطلب أن ترافقها حملة إعلانية إعلامية مستمرة، وأن تؤسس روابط إلكترونية محكمة، لكي يستطيع الناس، وخاصة من يمتلك الأدلة والوثائق على كل سارق للمال العام ولا يزال يسرقه، أن يرسل الأسماء والبيانات والوثائق.
حملة الانتقام للفقراء في العراق لا بد لها أن تستمر حتى تستقر الدولة ويستقر الضمير، في سبيل أن يعمل كل مسؤول وفقاً لمهمته، وتبدأ بعدها حملة" من أين لك هذا؟ " لكل مسؤول، وأن تستمر لتصل إلى مؤسسات دولية لكشف العقارات والبيوت والشركات والمؤسسات التي أنشأها هؤلاء في الخارج، حتى وإن لم تتمكن السلطات العراقية من استعادتها، أن يتم كشف تلك الحقائق للناس وتثبيتها في سجلاتهم، حتى لا ينسى الناس جرائمهم، ولا يقدموا أنفسهم أبرياء.
حملة الانتقام للفقراء في البلاد لا بد أن تستمر، حتى لا يرفع بعض الأشخاص أنوفهم وأصواتهم على شاشات الفضائيات، ويحلفوا اليمين أن الذين أُلقي القبض عليهم بالجرم المشهود أبرياء وأنقياء، ويبقى الفقراء في البلاد بلا مأوى، والمرضى بلا علاج، والشباب بلا عمل.
• خضر دوملي – مدرب ومستشار إعلامي وباحث في حل النزاعات وبناء السلام - مستشار مركز دراسات السلام في جامعة دهوك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك