تتبع" مصراوي" مؤشر أسعار طبق الكشري، ليكشف عن تشوه القدرة الشرائية للمواطن؛ فقبل تعويم الجنيه لأول مرة في 2016، كان علبة الكشري تبدأ بحد أدنى 5 جنيهات للعلبة الصغيرة ولا تتجاوز 9 جنيهات للعلبة الكبيرة.
اليوم، تلاشت هذه الفئات السعرية من الذاكرة تمامًا؛ إذ سجل الحد الأدنى لعلبة الكشري قفزة بنسبة 300% ليصل إلى 20 جنيهًا (وهي علبة بالكاد تكفي طفلًا)، بينما حلق الحد الأقصى للعلب العادية المشبعة بعيدًا مسجلًا قفزة بلغت 733% ليتراوح بين 60 و90 جنيهًا للعلبة الواحدة.
" مصراوي" رصد قفزات الوجبة الشعبية الأولى عبر محطات الاقتصاد؛ فقبل اندلاع موجات الغلاء المرتبطة بتحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016، إذ كانت علبة الكشري الصغيرة لا تتجاوز 5-6 جنيهات في المحلات الشعبية.
ولكن، قفزت الأسعار لتباع العلبة المتوسطة في محلات مثل" كشري التحرير" و" توم أند بصل" و" أبو طارق" بأسعار تتراوح بين 12 إلى 16 جنيهًا، بينما كان كشري التحرير، على سبيل المثال، يبدأ من حد أدنى يقدر بـ10 جنيهات.
وفترة 2019 و2021 شهدت ميل المحلات للحفاظ على أسعار ثابتة لضمان الطلب، بل وظهور مبادرات تكافلية شهيرة كمبادرة" فاطمة كشري" بطبقها المشبع بـ3 جنيهات تحت شعار" كشري الانبساط.
كل واقعد على البلاط".
وتحوّل الكشري من وجبة" الغلابة" الزهيدة تاريخيًا إلى مؤشر اقتصادي دولي تحت مسمى مؤشر الكشري (Koshary Index) الذي صاغته وكالة بلومبرغ العالمية لمراقبة التضخم الفعلي بمصر، بسبب تركيبته التي تدمج النشويات والبقوليات والزيوت، ولذلك أصبح مرآة للقدرة الشرائية ومعدلات التضخم الحقيقية.
الحرب الروسية الأوكرانية 2022 وما تبعها من أزمات النقد الأجنبي أشعلت أسعار المدخلات؛ حيث كشف مؤشر بلومبرج بنهاية 2022 أن تكلفة مكونات الطبق قفزت بنسبة 58.
9% على أساس سنوي، ما عادل 3 أضعاف معدل التضخم العام في الحضر البالغ 21.
3%.
من" السينما" إلى مؤشر بلومبرجفي مشهد بفيلم" طباخ الريس" (إنتاج 2008)، جلس رئيس الجمهورية أمام طبق كشري أعده له الطباخ" متولي"، وبينما الرئيس يستمتع بوجبة الكشري قفز إلى ذهنه سؤال عابر: " طبق الكشري بكام النهارده؟ ".
يجيب الطباخ بأن الطبق بـ3 جنيهات، ويرتفع إلى 5 إذا أضيفت إليه الدقة والتقلية والحمّص، ولكن عندما استدعى الرئيس الوزير المختص ليسأله، أجابه الأخير بثقة: " طبق الكشري بنص جنيه يا ريس".
بعد نحو 18 عامًا على عرض الفيلم، يبدو أن السؤال نفسه لا يزال حاضرًا، فالطبق الذي أثار دهشة الرئيس عندما بلغ 5 جنيهات، أصبح اليوم يبدأ في كثير من المحال من 30 جنيهًا، بينما تقترب بعض الوجبات الخاصة من 100 جنيه.
التضخم يختلق" تصبيرة".
ويخفي المجانياتالتضخم لم يغير الأسعار فحسب، بل أعاد هيكلة ثقافة البيع؛ حيث لجأت المطاعم إلى ظاهرة" تفتيت الحجم" لمداراة فروق السعر، وظهرت أسماء مبتكرة في المنيو الحديث لتناسب كل جيب.
وتعكس قفزات أسعار الكشري ما رصدته منصة" ستاتيستا" لمتوسط التضخم في مصر، فبعد أن كان المعدل 6.
92% في 2013، وهي الفترة التي تزامنت مع فئة الـ5 والـ9 جنيهات، دخل الاقتصاد نفقًا التعويم في 2016 ليرتفع التضخم إلى 23.
53% في 2017، وصولًا إلى ذروته في 2024 بنسبة 33.
30%، قبل أن يسجل 20.
42% في 2025.
موظف السكيورتي حسن زغلول (54 عامًا) يشتري في منتصف يومه علبة كشري ليتناولها كوجبة رئيسية، يقول لـ" مصراوي": " مشكلة الغلا مش بس في السعر، زمان كانت العلبة المتوسطة تكفّي وتفيض، دلوقتي بقوا يعملوا علب صغيرة تحت أسماء غريبة عشان يثبّتوا السعر".
يظهر بوضوح ما يتحدث عنه" حسن"؛ ففي منيو" كشري تومة" بوسط البلد، على سبيل المثال، إذ تبدأ السلسلة من حجم بسعر 18 جنيهًا، يليه حجم بـ25 جنيهًا، ثم تتصاعد الأحجام والأسعار إلى 35 جنيهًا، مرورًا بـ40 جنيهًا، و" تومة تريبل" بـ45 جنيهًا، وصولًا إلى" تومة كواترو" بـ60 جنيهًا و" تومة جراند" بـ65 جنيهًا.
وفي محلات أخرى، تفتتح العلبة بـ20 جنيهًا لعلبة" تصبيرة"، أما العلبة المشبعة العادية فباتت تتراوح بين 40 إلى 60 جنيهًا (مثل علب المخصوص والجامبو وسوبر ستار)، وتتدرج لتصل إلى 90 جنيهًا للعلب الفاخرة مثل" الجولدن مان".
ويكمن تحول سلوك المحلات في" بيزنس الكمالة والإضافات" واختفاء المجانيات، حيث يتذكر حسن أيامًا كانت الصلصة والدقة والتقلية (البصل المحمر) تُقدّم بسخاء ودون مقابل، بينما أصبحت المطاعم اليوم تحسب تكلفة كل إضافة على حدة.
في منيو مطعم" توم أند بصل" بأول شارع عباس العقاد، تباع علبة الصلصة الإضافية بـ12 جنيهًا، وعلبة التقلية أو العدس أو الحمص بـ7 جنيهات للحجم الصغير و20 جنيهًا للحجم الكبير، بينما تبلغ كمالة الشطة أو الدقة 10 جنيهات، وهو ما يعني أن تكلفة الإضافات وحدها أصبحت تعادل سعر علبة كشري كاملة من سنوات قليلة.
كما ظهرت فجوة واضحة بين أسعار" التيك أواي" وأطباق" الصالة"؛ فالعلبة الوسط تيك أواي بـ40 جنيهًا، بينما تباع في الصالة بـ50 جنيهًا كنوع من تحميل تكلفة الخدمة والمكان على الزبون.
هذه الشكوى تختلف تمامًا عن المشهد في شوارع راقية بمدينة الرحاب أو التجمع الخامس، حيث تفجرت ظاهرة اجتماعية واقتصادية ملفتة تتمثل في إعادة تقديم الكشري كمنتج استهلاكي فاخر (Fancy) موجه للفئات ذات الدخول المرتفعة.
في فرع مطعم" زووبا"، تباع علبة الكشري الفردية بأسعار تتراوح بين 80 إلى 105 جنيهات، بينما تصل تكلفة أصناف الحلو المرافقة كأطباق" أم علي كلاسيك" بالمكسرات والفستق واللوز والزبيب إلى 122 جنيهًا.
أما مطعم" ورد" في المجمعات التجارية المفتوحة بالشيخ زايد والتجمع، فقد أطلق عليه المستهلكون لقب" كشري الأغنياء"؛ لأسلوبه الفندقي المبتكر في التقديم والتغليف، حيث تعبأ الصلصة والدقة والشطة في زجاجات أنيقة تشبه عبوات الشامبو المخصصة للفنادق الفاخرة.
وتصل أسعار علب الكشري الفردية لديه إلى 100 جنيه، واشتهر بتقديم" الكشري الإسكندراني بالبيض المدحرج" بسعر يبدأ من 55 جنيهًا للحجم الصغير ويصل إلى 100 جنيه للعلبة الكبيرة، فضلًا عن طواجن المكرونة باللحم المفروم التي يبلغ سعرها 145 جنيهًا.
ويعزو الخبير الاقتصادي خالد الشافعي رواج هذه الفئة من الطعام إلى رغبة الطبقات الغنية في تناول الأكلات الشعبية البسيطة ولكن في إطار يحافظ على نمط حياتهم الاستعراضي ويجنبهم ارتياد الأحياء الشعبية.
العُلب العائلية والهروب إلى المطابخ المنزليةفي مشهد من مسلسل لن أعيش في جلباب أبي (إنتاج 1996) يظهر عبد الغفور (نور الشريف) الذي يأتي إلى القاهرة فقيرًا معدمًا ليعمل أجيرًا، بينما لم يتمكن من سد رمقه يوميًا إلا بطبق من الكشري لقاء قروش قليلة لا تتعدى العشرة (بريزة)، في إشارة إلى أن الوجبة كانت الأنسب للمعدمين والفقراء.
خالد الشافعي يقول إن الكشري فقد وظيفته الحمائية التاريخية كأرخص وجبة تسد رمق الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل في الحضر المصري؛ إذ إن تكلفة توفير وجبات فردية مستقلة لأسرة مكونة من 4 أفراد باتت تقارب 200 إلى 300 جنيه كحد أدنى.
ظهرت وجبات الكشري العائلية بين 170 جنيهًا و220 جنيهًا، في كشري التحرير، كما أن الأطباق التي تكفي 3 أفراد ببعض المحلات تكلف 185 جنيهًا، والطبق العائلي لـ5 أفراد بـ300 جنيه لتقليل نصيب الفرد من التكلفة بنسبة 25%، كما نشطت عروض بـ55 جنيهًا، وعروض العلبتين بـ100 جنيه، وعرض لـ4 علب بـ230 جنيهًا.
حرارة الموقد ونيران سوق الجملة الحرةعلى بُعد خطوات من أسوار مسرح الطليعة بالعتبة، يقول العامل بمحل كشري" هند" سالم عربي (33 عامًا) لـ" مصراوي" إن الجانب الآخر من الأزمة أن" الزبون فاكر إننا بنحقق أرباح خرافية، بس الواقع يشهد إن الزيادات بتذهب لتغطية التكلفة الحرة، أنا قدامي اختيارين لما الأسعار تولع: يا إما أرفع السعر، يا إما أقفل المحل وأخسر".
حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهدت أسعار السلع الأساسية في طبق الكشري زيادات متتالية، إذ سجل العدس البلدي نحو 64 جنيهًا للكيلو في مايو الماضي، أما الأرز السائب فقد استقر عند نحو 29 جنيهًا للكيلو خلال مايو 2026، بينما المكرونة فسجلت استقرارًا عند نحو 29 جنيهًا للكيلو في مايو الماضي.
كما أن زيت الذرة اقترب من حاجز 100 جنيه للتر في مايو 2026، مقارنة بـ93 جنيهًا في يناير الماضي، بينما واصل زيت عباد الشمس الارتفاع إلى 83 جنيهًا للتر في مايو 2026، بعد أن افتتح العام عند 80 جنيهًا، في حين سجل زيت بذرة القطن المخلوط أعلى سعر له خلال العامين الأخيرين بواقع 64 جنيهًا للتر في مايو 2026، مقارنة بـ 60 جنيهًا في يناير، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ولا تتوقف التكلفة عند حدود المواد الخام؛ يضيف سالم أن المحلات تعتمد على أسطوانات البوتاجاز، والتي قفز سعرها من 30 جنيهًا في 2015 لتصل إلى 550 جنيهًا حاليًا، وتتجاوز هذا الرقم عند التوصيل، في حين يستهلك المحل ما بين أسطوانتين إلى 3 يوميًا.
ويضيف: هذا بجانب فواتير استهلاك الكهرباء التي قد تتجاوز 3 آلاف جنيه شهريًا حاليًا مقارنة بـ150 جنيهًا قبل عقد من الزمن، فضلًا عن ارتفاع أجور العمالة، الكاشير، مندوبي التوصيل، وإيجارات العقارات.
ويتابع عربي: " البصل والرز والمكرونة والطماطم مش بييجوا لوحدهم للمحل، العربيات اللي بتنقل جراكن الزيت وشكاير المكرونة بتشتغل بالسولار اللي سعره زاد، وكل ده بيتحمل في الآخر على تمن العلبة، من أول حبة العدس لحد الكيس اللي عليه شعار المحل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك