تكشف مقالات أستاذ الأدب المقارن والقاص السوري موسى الحالول الذي رحل أول أمس الاثنين، عن انشغالٍ بالتنقيب في الذاكرة، حيث قام بتدوين عشرات النصوص التي استعاد فيها سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، وتحولاته الشخصية، ومغامراته الأولى مع الغربة، بلغةٍ تجمع بين السرد الرشيق والطرافة والملاحظة الدقيقة.
تُظهر هذه الذكريات، إلى جانب الحس النقدي، محاولة لفهم الذات والآخر، ومراجعة الصور النمطية المتبادلة بين الشرق والغرب.
تمثلُ تجربة الحالول نموذجاً لمثقفٍ جمع بين البحث الأكاديمي والكتابة الإبداعية والعمل في الترجمة، وظل وفياً لفكرة أن المعرفة لا تكتمل داخل أسوار الجامعة، وأن الأدب قادرٌ على قول ما تعجز عنه الدراسات الأكاديمية، كما أنَّ الترجمة توسّع أفق الثقافة العربية وتدخلها في حوارٍ دائمٍ مع العالم.
الحالول الذي ولد في مدينة الرقة السورية عام 1965، تخرَّج من قسم اللغة الإنكليزية في جامعة حلب، قبل أن يحصل عام 1989 على منحة" فولبرايت" لدراسة الأدب المقارن في الولايات المتحدة، ثم نال الدكتوراه من جامعة ولاية بنسلفانيا عام 1995.
وبعد عودته عمل أستاذاً للأدب الإنكليزي والترجمة في جامعاتٍ سورية وأردنية وسعودية، قبل أن يستقر في إسطنبول، حيث واصل نشاطه العلمي والثقافي.
وجد في السخرية وسيلة لمقاومة الاستبداد وكشف تناقضاتهأصدر ثلاث مجموعات قصصية، إذ وجد في السخرية وسيلته المفضلة لمقاومة الاستبداد وكشف تناقضاته.
ففي قصصٍ مثل" ضريبة كلاب"، و" صناديق الاقتراع"، و" أصحاب الفيل"، و" جرذستان"، يبني عوالم رمزيةً تتكئ على المفارقة والعبث لتعرية آليات السلطة والخوف والدعاية.
وهي نصوصٌ تستلهم التراث والحكاية الشعبية والأسطورة، لكنها تتحدث بوضوحٍ عن الواقع العربيّ المعاصر، حيث يتحول المواطن إلى متهمٍ دائم، وتصبح اللغة السياسية نفسها موضوعاً للسخرية.
كما أنجز أكثر من خمسة وستين كتاباً بين تأليفٍ وترجمة، ونقل إلى العربيّة عدداً من الأعمال، منها ملحمة" سنورا إدا" للشاعر الآيسلندي سنوري شتورلسن، و" كتاب بين الركام: ملحمة جلجامش العظيمة، كيف ضاعت وكيف اكتشفت" لديفيد دامروش، و" حكايات إيسوب" (بالاشتراك مع سمر حسيب رزق) و" أساطير النشوء الإفريقية" لستيفن بلغر، و" هكذا تكلم الفايكنغ" لبيورن جوناسون، و" ماكس هافلار: مزادات القهوة في شركة التجارة الهولندية" لملتاتولي، و" سيرة شارل ديغول: فكرة محددة عن فرنسا" لجوليان جاكسون.
إضافةً إلى اشتغاله على مقومات الترجمة وأساليبها ونقد سلوكيات المترجمين، وله في هذا كتابان: " الترجمة الأدبية: تطبيقات عمليّة في ترجمة النثر"، و" ما بين عشبة برزويه وحية جلجامش: تأملات في الترجمة الأدبية"، كما أصدر روايةً بعنوان" سفر الخروج إلى إسطنبول".
حرص الحالول على استقلاله الفكري، ولم يتردد في نقد أساتذته أو مخالفة الآراء السائدة، كما فعل خلال سنوات دراسته في الولايات المتحدة حين ناقش باحثين أميركيين في قضايا الشرق الأوسط، وكتب ردوداً على ما رآه انحيازاً في تناول القضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه كان يحرص على إبقاء الحوار مفتوحاً، مؤمناً بأنَّ الاختلاف لا يمنع الاحترام المتبادل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك