لماذا تفشل التنظيمات العقائدية في بناء الدول؟ يخطئ كثيرون حين يظنون أن المشكلة تكمن في العقيدة نفسها، أو أن سبب تعثر بعض التنظيمات السياسية ذات المرجعية الفكرية أو الدينية هو ما تحمله من أفكار أو شعارات.
والحقيقة أن التاريخ يقدم لنا صورة مختلفة تماماً، فالأديان العظيمة أسهمت في بناء حضارات، كما أن الفلسفات والأفكار الكبرى ألهمت أمماً وشعوباً، لكن التنظيمات العقائدية، مهما اختلفت مرجعياتها، تكاد تشترك في عجزها عن بناء الدولة.
وهنا يجب أن نفرق بين دين الدولة وبين الجماعة العقائدية.
فدين الدولة -بمعناه الحضاري- هو منظومة من القيم العليا التي تمنح المجتمع مرجعية أخلاقية وثقافية، دون أن تلغى تنوع أفراده أو اختلاف آرائهم.
أما الجماعة العقائدية فهي تنظيم مغلق، يرى أنه يحتكر الحقيقة، وأنه الممثل الشرعي لها، فيتحول الانتماء إليه من وسيلة للعمل إلى غاية في ذاته، ويصبح الولاء للتنظيم معياراً يقاس به الناس.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالدولة ليست جماعة كبيرة، كما أن المجتمع ليس اجتماعاً تنظيمياً موسعاً.
الدولة تضم المؤمن وغير المؤمن، والمتدين وغير المتدين، وصاحب الرأي والرأي المخالف، وأصحاب الثقافات والمصالح والانتماءات المتعددة.
وهي لا تقوم على التشابه، بل على إدارة الاختلاف.
لذلك كانت أعظم وظيفة للدولة هي تنظيم التنوع، لا القضاء عليه.
أما التنظيم العقائدى، فإنه لا يعيش إلا داخل دائرة الاتفاق.
فهو يحتاج إلى تشابه فى التفكير، ووحدة في الرؤية، وطاعة فى التنفيذ، وانضباط في الحركة.
وكلما اتسعت مساحة الاختلاف داخله، شعر بأنه مهدد، فسارع إلى تضييقها، لا إلى استيعابها.
ومن هنا يمكن القول إن الدولة تنجح بقدر ما تتسع للاختلاف، بينما ينجح التنظيم بقدر ما يقلصه.
الدولة تبحث عن المواطن، أما التنظيم فيبحث عن التابع.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يبنى وطناً، ومن يبنى صفاً.
ولذلك فإن الدولة لا تسأل الإنسان أولاً: ماذا تعتقد؟ وإنما تسأله: ماذا تستطيع أن تقدم؟ أما التنظيم العقائدى فإنه يبدأ من السؤال المعاكس، فهو يريد أن يطمئن إلى أن الفرد يفكر كما يفكر، ويؤمن كما يؤمن، قبل أن يهتم بما يملكه من علم أو خبرة أو قدرة على الإنجاز.
وليس هذا خاصاً بتنظيم بعينه، بل هو قانون يكاد يسري على كل التنظيمات المغلقة، مهما اختلفت شعاراتها.
إخوان أو داعش أو القاعدة أو أي تنظيمات ذات توجه عقائدي، فالنازية في ألمانيا لم تكن تنظيماً دينياً، لكنها كانت تنظيماً عقائدياً، والشيوعية الستالينية لم تكن ذات مرجعية دينية، لكنها أقامت نظاماً يقوم على الإيمان المطلق بالفكرة والحزب والقائد.
وكذلك فعل الخمير الحمر، كانوا حركة شيوعية متطرفة حكمت كمبوديا أربعة أعوام من 1975 إلى 1979 بقيادة بول بوت.
ويُعد حكمهم أحد أكثر الأنظمة دموية فى القرن العشرين.
إذ كانوا يتبنون نسخة متطرفة من الفكر الماركسي - الماوي، لكنهم تجاوزوا حتى ما عرفته الأنظمة الشيوعية الأخرى من قسوة، إذ سعوا إلى إنشاء ما أسموه «المجتمع الزراعى النقى»، فقرروا إعادة المجتمع إلى «السنة صفر»، أى محو كل ما سبق وبناء مجتمع جديد من الصفر.
وظهرت الصورة نفسها فى تنظيمات العنف الدينى المعاصرة، اختلفت العقائد، لكن البنية النفسية بقيت واحدة: احتكار الحقيقة، ورفض التعدد، وتقديم الولاء على الكفاءة.
إذن، ليست المشكلة في العقيدة، وإنما في احتكارها، وليست المشكلة فى الإيمان، وإنما في تحويله إلى أداة لفرز الناس وتصنيفهم.
ومن الناحية النفسية، فإن التنظيم العقائدي يصنع شخصية تختلف تماماً عن الشخصية التى تحتاج إليها الدولة.
فالعضو الناجح داخل التنظيم هو الأكثر التزاماً، والأسرع استجابة، والأشد انضباطاً، والأقل ميلاً إلى الجدل.
أما الدولة فتحتاج إلى المسئول الذى يناقش، ويبتكر، ويوازن بين المصالح، ويتحمل النقد، ويغير قراره إذا تغيرت المعطيات.
لهذا قد ينجح الإنسان داخل التنظيم، لكنه يفشل حين يوضع أمام مسئولية إدارة مجتمع كامل.
إن الأسرة لا تدار كما تُدار الكتيبة العسكرية، والمدرسة ليست ثكنة، والمستشفى ليس مقراً حزبياً، والدولة ليست اجتماعاً تنظيمياً.
فلكل مؤسسة منطقها، والدولة هي أكثر المؤسسات تعقيداً، لأنها لا تتعامل مع أفراد متشابهين، بل مع ملايين البشر المختلفين فى مصالحهم وثقافاتهم وأولوياتهم.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو التنظيمات العقائدية قوية وهى فى صفوف المعارضة، ثم تتعثر حين تنتقل إلى الحكم.
فالمعارضة تحتاج إلى الشعار، بينما تحتاج الدولة إلى الخطة، والمعارضة تبحث عن الخصم، بينما تبحث الدولة عن الحل.
والمعارضة تستطيع أن ترفع السقف، أما الدولة فعليها أن تحسب الموارد والإمكانات والنتائج.
إن الحكم ليس امتحاناً لصحة الشعارات، وإنما امتحان لقدرة الإنسان على إدارة التعقيد، ولهذا فإن الدولة الناجحة ليست تلك التي تجعل مواطنيها نسخة واحدة، وإنما التي تجعل اختلافهم مصدراً للقوة لا سبباً للصراع.
أما التنظيم العقائدي، فإنه يرى في الاختلاف تهديداً ينبغى القضاء عليه، بينما ترى الدولة فيه حقيقة إنسانية ينبغى تنظيمها.
وهنا يكمن الفارق الجوهرى بين الوطن والتنظيم.
فالوطن يتسع للجميع، أما التنظيم فلا يتسع إلا لمن يشبهه.
ولذلك استطاعت التنظيمات العقائدية عبر التاريخ أن تصنع أتباعاً مخلصين، لكنها عجزت -في أغلب تجاربها- عن أن تصنع أوطاناً مستقرة، فالأوطان لا تبنى باليقين وحده، وإنما تبنى أيضاً بالقبول المتبادل، وباحترام التنوع، وبالإيمان بأن الحقيقة السياسية لا يحتكرها أحد، وأن الدولة أكبر من أي حزب، وأوسع من أي جماعة، وأبقى من أي تنظيم.
وهذا هو الدرس الذي يكرره التاريخ كلما حاول تنظيم مغلق أن يختزل وطناً كاملاً في فكرته، أو أن يحصر مجتمعاً متنوعاً داخل أسوار جماعته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك