الرباط- «القدس العربي»: لم يعد صعود السيارات الصينية في شوارع المغرب مجرد ظاهرة عابرة أو طفرة تسويقية مؤقتة، بل تحوّل إلى زلزال بنيوي صامت يعيد صياغة المشهد التجاري والاستثماري لقطاع السيارات بأكمله.
هذا التحول الاستراتيجي المتسارع ينهي حقبة احتكار المجموعات الأوروبية التقليدية، ويفرض إيقاعاً جديداً تقوده بكين بزخم استثماري ضخم وطفرة تجارية غير مسبوقة في مبيعات مركباتها بالأسواق المحلية.
وفي هذا السياق، تكشف أحدث البيانات الصادرة عن الجمعية المغربية لمستوردي السيارات (AIVAM) عن حجم هذا الاختراق الهيكلي للسوق المحلية؛ إذ حققت العلامات التجارية الصينية قفزة تاريخية بمضاعفة حصتها السوقية لتصل إلى 11.
3%، مقارنة بنحو 4.
8% فقط خلال الفترة الماضية.
وقد تكلل هذا الأداء الاستثنائي بنجاح 21 علامة تجارية صينية في تسويق نحو 13,148 وحدة خلال النصف الأول من عام 2026، مع تسجيل مبيعات قوية في حزيران/ يونيو وحده بلغت 2,662 سيارة، وهو ما يمثل 10.
8% من إجمالي مبيعات سيارات الخواص في المغرب.
ويأتي هذا التوهج الصيني في وقت يشهد فيه سوق السيارات الجديدة بالمغرب انتعاشاً عاماً ومنحى تصاعدياً؛ إذ بلغت المبيعات الإجمالية خلال حزيران/ يونيو الماضي 27,193 سيارة، مسجلة زيادة بنسبة 16.
72% مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025.
ومع غزو أكثر من 29 علامة تجارية صينية للبلاد، يرى المحلل الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، الدكتور بدر الزاهر الأزرق، أن هذا التحول الجذري يعكس تغيراً عميقاً في وعي وصورة المنتج الصيني لدى المستهلك المحلي، حيث لم يعد الإقبال عليها يُفسَّر فقط بعامل السعر.
وفي تصريح لـ «القدس العربي»، أوضح الدكتور الأزرق أن الشركات الصينية استثمرت خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في الجودة والتصميم، والتكنولوجيا خاصة في أنظمة السلامة والرقمنة والسيارات الكهربائية والهجينة، فأصبحت تقدم للمستهلك المغربي سيارة مجهزة بمواصفات كانت في السابق حكراً على الفئات الأعلى سعراً، مما جعل المستهلك يقارن بين القيمة التي يحصل عليها والثمن الذي يدفعه، وليس بين السعر فقط.
كما أشار الأزرق إلى وجود عوامل خارجية ساهمت بشكل مباشر في تعبيد الطريق أمام هذا التمدد، وعلى رأسها الارتفاع الحاد في أسعار السيارات الأوروبية واليابانية بعد جائحة كورونا، إلى جانب تطور خدمات ما بعد البيع وتوسع شبكات التوزيع للعلامات الصينية في المغرب، مما عزز ثقة المستهلك في معادلة تجمع بين السعر المناسب والتجهيزات المتطورة.
يضع هذا التمدد السريع المصنعين والوكلاء التقليديين في المغرب تحت ضغط تنافسي خانق؛ إذ يرى الدكتور بدر الزاهر الأزرق أنه في حال استمرار هذا المنحنى التصاعدي، فإن العلامات التقليدية ستكون مطالبة بإعادة النظر في استراتيجيتها داخل السوق المغربية.
ويضيف أن أوراق اللعب الجديدة ستفرض على الشركات الكبرى مواجهة من نوع خاص، لن تقتصر فقط على مستوى الأسعار، بل ستمتد لتشمل مستوى التجهيزات، وخدمات ما بعد البيع، والضمان، وسرعة الاستجابة لانتظارات الزبائن، وهو ما قد يدفع بعض الشركات الغربية إلى تقديم نماذج أكثر تنافسية أو تعزيز التصنيع المحلي لتقليص الكلفة.
وبناءً على ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي أن المستهلك المغربي سيكون هو المستفيد الأكبر من هذا الصراع التجاري المحتدم، كون المنافسة القوية تدفع جميع الفاعلين تلقائياً إلى تحسين الجودة وتقديم عروض أكثر جاذبية وتنافسية.
و يتجاوز الطموح الصيني في المغرب حدود صالات العرض ليمتد إلى «هجوم استثماري» ضخم على الأرض؛ إذ لم يعد المغرب بالنسبة لبكين مجرد سوق لتصريف المنتجات، بل تحول إلى منصة صناعية واستراتيجية رئيسية للعبور نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية، مستفيدة من الموقع الجغرافي واتفاقيات التبادل الحر.
وقد نجح المغرب في جذب استثمارات صينية ضخمة تجاوزت المليارات، تركزت بشكل خاص في منظومة البطاريات الكهربائية عبر بناء مصانع عملاقة، مثل مشروع شركة BTR ومشروعات أخرى لإنتاج مكونات البطاريات، وذلك بهدف تأسيس سلسلة توريد متكاملة في المغرب قادرة على تلبية احتياجات تصنيع نصف مليون سيارة كهربائية سنوياً.
وفي هذا السياق، يطرح الدكتور الأزرق استراتيجية «التوطين والاستقطاب الصناعي» كأداة ذكية لتحقيق التوازن التنموي والاقتصادي.
ويؤكد في هذا الصدد أن الاستثمارات الصينية تدعم المنظومة الصناعية وتوفر فرص الشغل، إلا أن معالجة العجز التجاري تتطلب الذهاب أبعد من مجرد استيراد السيارات، وذلك عبر توطين سلاسل الإنتاج، وتشجيع تصنيع المكونات محلياً، ورفع نسبة الإدماج الصناعي لتحويل المملكة من سوق للاستهلاك إلى منصة للإنتاج والتصدير.
ويختتم الخبير الاقتصادي تحليله برسم خارطة طريق مستقبلية للسياسة الصناعية المغربية، مشيراً إلى أنه إذا نجح المغرب في استقطاب استثمارات صينية تقوم على نقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وإنتاج أجزاء السيارات والبطاريات محلياً، فإن ذلك سيساهم تدريجياً في تقليص الواردات، وزيادة الصادرات، وتحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري، مع تعزيز مكانة المغرب كمركز صناعي إقليمي رائد في قطاع سيارات المستقبل.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك