لم تعد النقاشات الدائرة حول مراجعة مناهج الطور الابتدائي مجرد توصيات بيداغوجية مؤجلة، بل أخذت طابعاً رسمياً وجاداً يعكس رغبة حقيقية في إحداث “ثورة بيداغوجية” تتماشى مع مصلحة التلميذ.
وفي هذا الصدد، تقرر اعتماد تدريس لغة أجنبية واحدة فقط في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي وهي الإنجليزية، مقابل الاستغناء عن مادة اللغة الفرنسية، وذلك بعدما تبين في الميدان أن المتمدرس في هذه السن الصغيرة لا يمكنه استيعاب لغتين أجنبيتين في نفس المستوى.
وفي التفاصيل، أبرزت مصادر “الشروق” أن هذا التوجه المدعوم بمؤشرات رسمية متداولة مؤخراً، لا ينطلق من اعتبارات اعتباطية غير مدروسة، بل يستند بالدرجة الأولى إلى تقارير مستمدة من الندوة الوطنية وحجج علمية رصينة ترتكز على دراسة قدرات الطفل الاستيعابية والنفسية في المراحل الأولى من عمره الدراسي.
ومن ثمّ، فإن الحجة المركزية، التي بنيت عليها هذه المقاربة الجديدة هي “القدرة الاستيعابية للطفل” في سن الثامنة “السنة الثالثة ابتدائي”، حيث تؤكد التقارير أن إجبار التلميذ في هذه المرحلة العمرية المبكرة على استيعاب لغتين أجنبيتين دفعة واحدة (الفرنسية والإنجليزية)، بالتوازي مع لغته الأم (العربية) التي لم يرسّخ فيها ملكاته الكتابية والنحوية بعد، يؤدي في الكثير من الأحيان إلى نتائج عكسية تماماً تحدّ من قدراته الإبداعية والتحصيلية في السنوات الدراسية المقبلة، مثلما تشرح مصادرنا.
وعلى هذا الأساس، لفتت مصادرنا إلى أنه قد اتضح ميدانيا، ومن خلال تجارب الأساتذة المتعددة والميدانية واحتكاكهم الدائم والمستمر بالتلاميذ، أن التلميذ ومع مرور الوقت، قد يحدث له ما يعرف اصطلاحا بـ”التداخل اللغوي” السلبي، ما قد يتسبب في إصابته بتفكك ذهني، أين يصبح أكثر عرضة للوقوع في مشاكل لغوية عديدة على غرار “التخمة اللغوية”، حيث يجد نفسه لا يفرق بين قواعد ونطق لغتين تشتركان في نفس الحروف اللاتينية ويخلط بينهما، مما ينعكس سلباً على استيعابه للمواد العلمية الأساسية كالرياضيات والعلوم، ويفقده بالتالي الشغف الطبيعي بالعملية التعليمية.
الرهان على لغة واحدة لاستيعاب التعدد اللغويومن هذا المنطلق، أبرزت ذات المصادر أن التلميذ بحاجة ماسة إلى التركيز وبناء “قاعدة صلبة” ومستقرة في لغة أجنبية واحدة أولا “الافتراض الأقوى يتجه للإنجليزية”، قبل الانفتاح على لغات أجنبية أخرى في أطوار تعليمية لاحقة (المتوسط والثانوي)، حيث تكون بنيته الذهنية قد نضجت بالشكل الكافي واستعدت لاستيعاب التعدد اللغوي من دون “تداخل مشوش”، وهي الإستراتيجية البيداغوجية المتوقع اعتمادها من قبل الوصاية في المستقبل.
وفي نفس السياق، أكدت المصادر نفسها على أن هذا التوجه نحو حصر الطور الابتدائي في لغة أجنبية واحدة وهي الإنجليزية، باعتبارها لغة عالمية أساسية وحية، في مقابل إزاحة اللغة الفرنسية، يمليه واقع علمي متكامل تفرضه متطلبات العصر الحديث، ويمكن تلخيص هذه الرؤية في نقطتين جوهريتين.
ويتعلق الأمر، أولا، بمرونة البناء اللغوي، إذ تُجمع الدراسات اللغوية الحديثة على أن قواعد اللغة الإنجليزية في مراحلها الأولى أكثر مرونة وسلاسة للاستيعاب مقارنة بالتعقيدات النحوية والصرفية العميقة للغة الفرنسية، مما يسهّل على الطفل التقاطها من دون إجهاد ذهني مفرط.
الإنجليزية خيار أساسي للانفتاح على التكنولوجيات الحديثةوإلى ذلك، شددت ذات المصادر على أن هذا الخيار يتماشى أيضا، وبوضوح، مع التوجه الإستراتيجي الرامي إلى تعميم مادة اللغة الإنجليزية كقاعدة أساسية للانفتاح على باقي العلوم، التكنولوجيات الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تسيطر عليها لغة “شكسبير” بشكل مطلق على الصعيد العالمي.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك