انتقل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، بعدما لوحت طهران بإغلاق باب المندب عقب إغلاق مضيق هرمز، في خطوة قد تدفع أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية إلى قلب الأزمة.
وتزامن ذلك مع إعادة الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وتكثيف الضربات الأميركية داخل إيران، ما أثار مخاوف من امتداد الصراع إلى مضيق باب المندب؛ البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والمدخل الرئيس إلى قناة السويس.
وقال الحرس الثوري الإيراني، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية" إرنا"، اليوم الأربعاء، إن جميع ممرات التصدير التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها قد تصبح هدفاً، مضيفاً أن صادرات الطاقة الإقليمية إما أن تكون متاحة للجميع أو يحرم منها الجميع.
واعتبر محللون أن هذه التصريحات تمثل إشارة مباشرة إلى باب المندب، بعدما أصبحت حركة الملاحة في مضيق هرمز شبه متوقفة بفعل المواجهة العسكرية والحصار الأميركي.
كذلك يأتي التهديد الإيراني متزامناً مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، بعدما حذر مسؤولون في جماعة الحوثيين، الحليفة لطهران، من أن باب المندب سيكون ضمن خيارات الرد إذا استمرت الضربات على اليمن، فيما قال عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله محمد الفرح إن إغلاق باب المندب وهرمز معاً قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 200 دولار للبرميل.
كما أطلقت الجماعة صواريخ باتجاه السعودية بعد اتهامها بقصف مطار يخضع لسيطرتها، في أول تصعيد كبير بين الطرفين منذ الهدنة التي استمرت نحو أربعة أعوام.
وبحسب رويترز، فإن أخطر ما في هذه التطورات هو انتقال المواجهة من استهداف المنشآت العسكرية إلى استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط اقتصادية، بما يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وقال أستاذ دراسات الشرق الأوسط فواز جرجس إن طهران تريد أن تثبت لواشنطن أنها قادرة على تهديد مضيقي هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، ما يحوّل الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية تمسّ حركة التجارة والطاقة.
باب المندب.
شريان التجارة العالميولا يعد باب المندب مجرد ممر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بل يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ويشكّل حلقة الوصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ما يجعله أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وفق وكالة الأناضول.
ويقع المضيق بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويبلغ طوله نحو 100 كيلومتر، بينما يضيق عند أضيق نقطة إلى نحو 30 كيلومتراً فقط، الأمر الذي يجعله إحدى أبرز نقاط الاختناق البحرية على مستوى العالم.
وتقسمه جزيرة بريم إلى ممرين، أحدهما غربي عميق تستخدمه السفن التجارية الدولية، وآخر شرقي أقل عمقاً مخصص في الغالب للملاحة المحلية.
واكتسب المضيق أهميته العالمية بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، إذ أصبح جزءاً من أقصر طريق بحري يربط آسيا بأوروبا، ما جعل أي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية.
ولهذا السبب، تنظر شركات الشحن وأسواق الطاقة إلى باب المندب باعتباره شرياناً لا يقل أهمية عن مضيق هرمز أو مضيق ملقا، إذ تعتمد عليه السفن القادمة من الخليج والهند وشرقي آسيا للوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وتؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن باب المندب يعدّ ثالث أهم نقطة اختناق بحرية للنفط في العالم بعد مضيقي ملقا وهرمز.
فقد عبره خلال عام 2023 نحو 9.
3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والسوائل النفطية، أي ما يقارب 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم.
كما تمر عبره كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية وسفن الحاويات، ما يجعله ركناً أساسياً في منظومة التجارة الدولية.
لكن هذه التدفقات تعرضت لتراجع حاد خلال عام 2024، بعدما أدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فانخفضت الكميات العابرة إلى نحو 4.
1 ملايين برميل يومياً، أي أقل من نصف مستوياتها في العام السابق.
كما تراجعت التدفقات عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد من 8.
8 ملايين برميل يومياً إلى 4.
8 ملايين برميل يومياً، في انعكاس مباشر للتوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة.
قناة السويس في دائرة الخطرويضع أي تهديد لباب المندب قناة السويس في قلب الأزمة، إذ تعتمد حركة الملاحة في القناة بصورة مباشرة على استمرار عبور السفن من البحر الأحمر.
وخلال أزمة هجمات الحوثيين في عامي 2023 و2024 اضطرت كبريات شركات الشحن العالمية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما أضاف ما بين عشرة وخمسة عشر يوماً إلى زمن الرحلات البحرية، ورفع تكاليف الوقود والتأمين والشحن إلى مستويات قياسية.
ولم تقتصر التداعيات على شركات النقل، بل امتدت إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مع ارتفاع أسعار الشحن وتأخر وصول البضائع والمواد الخام إلى الأسواق الأوروبية، فضلاً عن تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة انخفاض أعداد السفن العابرة.
ويرى محللون أن تكرار هذا السيناريو في ظل تزامن التهديدات في هرمز وباب المندب سيشكل أكبر اختبار للتجارة البحرية العالمية منذ جائحة كورونا، لأن البديل الوحيد سيكون الالتفاف حول أفريقيا، وهو خيار أكثر كلفة وزمناً.
الحوثيون وسيناريو الإغلاقوتستند المخاوف الدولية من إغلاق باب المندب إلى التجربة التي عاشتها الأسواق العالمية منذ أواخر عام 2023، عندما أثبت الحوثيون قدرتهم على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر عبر استهداف السفن التجارية، بحسب الأناضول.
فقد دفعت الهجمات عشرات شركات الشحن الكبرى إلى تحويل سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، واختيار طريق رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وإطالة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم تراجع وتيرة الهجمات خلال عام 2025 بعد التهدئة في اليمن، فإن الأزمة أظهرت أن الجماعة لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل لإحداث اضطراب واسع في التجارة الدولية، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية حتى تعزف شركات الملاحة عن استخدامه.
ويحذر محللون من أن الظروف الحالية تختلف عن أزمة البحر الأحمر السابقة، لأن التهديد يأتي هذه المرة بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز واستئناف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
ونقلت رويترز عن المحاضر في كلية كينغز كوليدج في لندن أندرياس كريغ قوله إن باب المندب يمثل الخيار النووي الثاني بالنسبة لطهران بعد هرمز، موضحاً أن إيران قد تلجأ إلى استخدام نفوذها على الحوثيين إذا خلصت إلى أن العودة إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة أصبحت أمراً لا مفر منه.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن أي محاولة لإغلاق المضيق ستقابل على الأرجح برد عسكري واسع تقوده واشنطن وحلفاؤها لإعادة فتح الممر وتأمين الملاحة الدولية.
وبحسب الوكالة، إذ ارتفعت أسعار النفط مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، بعدما عزز المستثمرون رهاناتهم على احتمال تعرض الإمدادات العالمية لمزيد من الاضطراب.
وأغلقت عقود خام برنت مرتفعة بنحو 2% عند أعلى مستوياتها في شهر، فيما واصل خام غرب تكساس الوسيط مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي، مدعوماً بالمخاوف من اتساع دائرة الصراع إلى باب المندب بعد هرمز.
ولا يقتصر تأثير إغلاق باب المندب على النفط وحده، إذ تمر عبر المضيق أيضاً كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والبضائع والحاويات، ما يعني أن أي تعطيل لحركة الملاحة سيرفع تكاليف النقل البحري وأسعار التأمين، وينعكس على أسعار السلع والمواد الخام في الأسواق العالمية.
كما ستتأثر الصناعات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على تدفق المكونات والمواد الأولية عبر قناة السويس، الأمر الذي قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى بعد فترة من التراجع النسبي.
هل يصبح المضيق ساحة مواجهة؟ورغم حدة التصريحات المتبادلة، يستبعد عدد من الخبراء أن تقدم إيران أو الحوثيون على إغلاق كامل ومستدام لباب المندب، نظرا لما قد يستتبعه ذلك من ردات عسكرية دولية واسعة.
ونقلت رويترز عن رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز الصقر، قوله إن الحوثيين ما زالوا يمتلكون القدرة على تعطيل الملاحة، لكن من غير المرجح أن يصعدوا من دون توجيهات مباشرة من طهران، مشيراً إلى أن أي محاولة لتهديد السفن التجارية قد تدفع الولايات المتحدة وشركاءها إلى توسيع عملياتهم العسكرية ضد الجماعة.
ويتفق معه المفاوض الأميركي السابق في الشرق الأوسط دينيس روس، الذي يرى أن الخطر الأكبر لا يكمن في اندلاع حرب شاملة، بل في استمرار ما يسميه المحللون" التصعيد التدريجي"، حيث يرفع كل طرف مستوى الضغط دون تجاوز الخط الذي يقود إلى مواجهة مباشرة.
ويعتقد أن تصاعد التهديدات ضد هرمز وباب المندب قد يدفع واشنطن وطهران في نهاية المطاف إلى العودة للمفاوضات، لأن استمرار الأزمة يهدد الاقتصاد العالمي قبل أن يهدد أي طرف منفرد.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك