بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بوصفها اتفاقا ينهي الحرب ويعيد فتح مضيق هرمز، تبدو النتائج معاكسة تماما، فقد استؤنفت المواجهات العسكرية، وتراجعت حركة الملاحة عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها منذ أسابيع، بينما وجد الطرفان نفسيهما أمام مأزق يصعب الخروج منه عسكريا أو اقتصاديا.
وترى مجلة الإيكونوميست أن الأزمة الحالية لا تمثل انهيارا للاتفاق فحسب، بل تكشف كذلك عن أن البنود الغامضة التي تضمنها، ولا سيما المتعلقة بضمان" المرور الآمن" للسفن التجارية، أصبحت أحد أسباب التصعيد بدلا من أن تكون أساسا لخفض التوتر.
list 1 of 2هل تتحول الكهرباء والمصافي الإيرانية إلى أهداف عسكرية أمريكية؟list 2 of 2السفن المرتبطة بإيران تهيمن على عبور هرمز قبل استئناف الحصارتتمحور الأزمة حول تفسير مختلف لبنود مذكرة التفاهم، فواشنطن ترى أن إيران التزمت بإزالة الألغام وإعادة فتح الملاحة بصورة طبيعية، بينما تعتبر طهران أن الاتفاق يمنحها أيضا حق إدارة حركة المرور داخل المضيق.
أدى هذا الخلاف إلى واقع ميداني مختلف؛ إذ أصبحت السفن تتجنب المسار الملاحي التقليدي، بينما ترافق البحرية الأمريكية بعض الناقلات عبر الممر الجنوبي القريب من سلطنة عُمان، لكن إيران أعلنت أن هذا المسار أيضا لم يعد متاحا، وهو ما زاد من تردد شركات الشحن.
وتشير بيانات شركتي" كبلر" و" ويندوارد" إلى أن عدد السفن العابرة للمضيق تراجع من 36 سفينة يوميا قبل أسبوع إلى 11 سفينة فقط، في حين ارتفع خام برنت بنحو 20% منذ السادس من يوليو/تموز ليبلغ نحو 87 دولاراً للبرميل وقت إعداد التقرير.
تقول الإيكونوميست إن إدارة ترمب لا تمتلك طريقا واضحا لإعادة فتح المضيق، فالخيار الأول يتمثل في مواصلة الضربات المحدودة ضد المواقع العسكرية الإيرانية، لكن أكثر من 300 غارة خلال 5 أيام لم تغير السلوك الإيراني، كما أن امتلاك طهران صواريخ وطائرات مسيرة يتجاوز مداها ألف كيلومتر يجعل قدرتها على استهداف الملاحة قائمة حتى لو دمرت منصات الإطلاق الساحلية.
أما الخيار الثاني، وهو توسيع الحرب، فيحمل مخاطر كبيرة، وفق الإيكونوميست، فضرب البنية التحتية الإيرانية قد يدفع طهران إلى مهاجمة منشآت الطاقة في الخليج، بينما يبدو إرسال قوات برية خيارا مستبعدا سياسيا داخل أمريكا.
ويبقى الخيار الثالث هو إعادة فرض الحصار الاقتصادي، وهو ما بدأت واشنطن بالفعل بتنفيذه عبر إلغاء إعفاءات تصدير النفط واستئناف القيود على الملاحة الإيرانية، لكن المجلة ترى أن هذا الخيار يعيد الطرفين إلى نقطة الصفر، من دون ضمان أن تستجيب إيران للضغوط الاقتصادية مرة أخرى.
كما تبدو فرص تشكيل قوة بحرية دولية واسعة محدودة، إذ تبدي بريطانيا وفرنسا استعدادا للمشاركة في إزالة الألغام بالتنسيق مع سلطنة عُمان، بينما لا تزال ألمانيا واليابان مترددتين.
رغم تمسك طهران بورقة هرمز، فإن المجلة ترى أن استمرار الأزمة يحمل كلفة اقتصادية مرتفعة عليها أيضا.
فإيران وقعت مذكرة التفاهم أساسا للحصول على متنفس اقتصادي بعد سنوات من العقوبات، وتقول إن الحرب كلفت اقتصادها نحو 270 مليار دولار من الأضرار.
لكن مع عودة العقوبات واستئناف الحصار، خسرت طهران معظم المكاسب الاقتصادية المباشرة التي كانت تأمل تحقيقها، كما لا تستطيع فرض رسوم عبور على السفن في زمن السلم من دون موافقة سلطنة عُمان.
وتضيف الإيكونوميست أن جزءا كبيرا من النفط الذي صدرته إيران خلال الأسابيع الأولى بعد الاتفاق لا يزال غير مباع، بعدما اتجهت مصافي التكرير الصينية إلى شراء خامات خليجية بأسعار أقل من الخام الإيراني.
وترى المجلة أن بعض المتشددين في طهران يبالغون في تقدير أهمية السيطرة على المضيق، لأن امتلاك إيران للصواريخ والطائرات المسيرة يمنحها القدرة على تعطيل الملاحة عند الحاجة حتى من دون السيطرة المباشرة عليه، ما يجعل هرمز بالنسبة لها وسيلة تفاوض أكثر منه هدفا بحد ذاته.
في المحصلة، تخلص الإيكونوميست إلى أن أيا من الطرفين لا يملك مسارا عسكريا يحقق أهدافه؛ فلا تستطيع أمريكا إعادة فتح المضيق بالقوة، كما لا تستطيع إيران تحقيق مكاسب اقتصادية من استمرار إغلاقه، وهو ما يجعل الاتفاق الذي يتآكل حاليا أقل الخيارات سوءا للطرفين، رغم أن الأحداث الميدانية تدفعه تدريجيا نحو الانهيار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك