لم يعد جمهور جناح الأزهر الشريف بمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب يكتفي بدور الزائر الذي يتجول بين الأركان ويستمع إلى الشرح ثم يغادر، بل تحول كثيرون منهم إلى شركاء في نشر المعرفة، يشرحون لغيرهم ما تعلموه، ويرشدون الزوار الجدد إلى أركان الجناح، ويقدمون لهم المعلومة بمحبة وعفوية، حتى أصبحوا بحق أزهريّي الهوى؛ وباتوا يشعرون أن جناح الأزهر هو بيتهم الثاني، وأن رسالته رسالتهم.
ومع تكرار زيارة الجناح عامًا بعد عام، حفظ كثير من الرواد تفاصيله، فلم يعد الزائر الجديد يشعر بالغربة؛ إذ يجد مَن يستقبله قبل أن يسأل، ومَن يدله على الأركان المختلفة، ومَن يرشح له الكتب والفعاليات التي تناسب اهتماماته، ويتحاور معه وكأنه في بيته، في مشهد يعكس حالة من الألفة والانتماء والنقاش المثمر.
وتتجسد هذه الروح في عشرات المواقف اليومية؛ فزائر يشرح لآخر سيرة الشخصية التي يحتفي بها الجناح هذا العام ويناقشه فيها، وآخر يساعد أحد الرواد في اختيار الكتاب المناسب، وطفلة تبادر إلى تلوين وجه طفلة أخرى داخل ركن الطفل، لتتحول الأنشطة إلى مساحة للتعاون، قبل أن تكون مجرد فعاليات ترفيهية.
المخطوطات والخط العربي في معرض مكتبة الاسكندريةوفي ركن المخطوطات، وقفت الطالبة غادة كمال، المقيدة بالفرقة الرابعة في قسم الدراسات الإسلامية وتحقيق التراث بكلية الآداب، لتشرح للزائرين نفائس المخطوطات الأزهرية وتجيب على أسئلتهم، كما تعلمت من مسئول الركن، وتجيب عن أسئلتهم، لم تكتفِ بهذا، بل راحت تعرفهم بما تضمه خزائن الأزهر من كنوز علمية، مستندة إلى ما تعلمته من أساتذتها المتخصصين، ولم يكن ما فعلته مجرد مبادرة فردية، بل صورة معبرة عن أثر الأزهر في نفوس أبنائه ومحبيه، إذ تتحول المعرفة إلى رسالة يحملونها طواعية أينما كانوا.
أما في ركن الخط العربي، فلم يعد إسماعيل عبده، فنان الخط العربي بالأزهر الشريف، يعلّم فنون الخط وحده، بل صنع من كثير من رواد الجناح خطاطين صغارًا يحملون شغف الحرف العربي، ويشاركونه استقبال الزوار الجدد، يشرحون لهم قواعد الخط، ويشجعونهم على خوض التجربة، وكأن رسالة الفن انتقلت من المعلم إلى الجمهور، فأصبح كل متعلم معلمًا، وكل زائر سفيرًا جديدًا لجماليات اللغة العربية، في صورة تجسد نجاح الأزهر في تحويل المعرفة إلى أثر حي يتناقله الناس بمحبة.
جناح الأزهر.
مجتمع ثقافي يتجاوز حدود المعرضولعل هذه المشاهد الإنسانية هي الإجابة الأصدق عن سؤال: ماذا صنع الأزهر في قلوب جمهوره؟ فقد صنع حالة من الحب، والانتماء، والتعاون، وجعل من زواره سفراء لرسالته، لا ينتظرون تكليفًا ولا صفة رسمية، بل يحملون رسالة العلم والتراث والثقافة بإيمان صادق.
وهكذا لم يعد جناح الأزهر مجرد مكان تُعرض فيه الكتب والمخطوطات والأنشطة، بل أصبح مجتمعًا ثقافيًا نابضًا بالحياة، يشعر فيه الزائر بأنه من أهل المكان، ويتحول فيه الجمهور من متلقٍ للمعرفة إلى شريك في نشرها، ومن زائر عابر إلى" أزهري الهوى"، يحمل رسالة الأزهر في قلبه قبل لسانه.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك