نواكشوط –«القدس العربي»: لم يكن التوقيع الذي جمع ممثلي الأغلبية والمعارضة في نواكشوط مجرد إجراء بروتوكولي يختتم مرحلة من المشاورات، بل مثّل نقطة تحول في واحدة من أطول عمليات الإعداد السياسي التي عرفتها موريتانيا خلال السنوات الأخيرة.
فبعد نحو عام وسبعة أشهر من المفاوضات، والتوقفات، والاعتراضات، وإعادة الصياغة، والبحث عن القواسم المشتركة، انتقلت القوى السياسية من معركة الاتفاق على قواعد الحوار إلى انتظار القرار الرئاسي الذي سيحدد موعد انطلاقه الفعلي.
وهكذا، يكون الحوار قد تجاوز أصعب مراحله، وهي مرحلة بناء الثقة بين الأطراف، لينتقل إلى اختبار أكثر تعقيدًا يتمثل في القدرة على إنتاج توافقات حول الملفات الوطنية الأكثر حساسية.
فقد وقع الوثيقة المرجعية للحوار عن أقطاب المعارضة رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) حمادي ولد سيدي المختار، ورئيس حزب اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود، فيما وقعها عن الأغلبية رئيس حزب الإنصاف محمد ولد بلال، وعن تكتل القوى الديمقراطية نائب رئيسه إبراهيم ولد أبيهي، بعد أن قدم منسق الحوار موسى فال النسخة النهائية التي تجاوزت العقدة الرئيسية التي عطلت المسار منذ آذار/مارس الماضي.
ولم يقتصر التوافق الذي وقعته الأطراف السياسية على إنهاء خلاف إجرائي حول تنظيم الحوار، بل شمل اعتماد وثيقة متكاملة تحمل عنوان «خارطة الطريق لإدارة الحوار الوطني»، رسمت لأول مرة بصورة مفصلة أهداف الحوار ومحاوره وآليات تسييره، وضمانات تنفيذ مخرجاته، بعد سلسلة واسعة من المشاورات شملت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية وفاعلين آخرين.
وتنطلق الوثيقة من تشخيص يعتبر أن موريتانيا تعيش مرحلة تتسم باستقرار سياسي نسبي، رغم التحديات الداخلية والإقليمية المتزايدة، وأن ابتعاد البلاد عن المواعيد الانتخابية الكبرى يوفر فرصة مناسبة لإطلاق حوار وطني هادئ، هدفه تحديث العقد الاجتماعي، وتعزيز التماسك الوطني، وتسوية القضايا الخلافية عبر التوافق، مع التأكيد على أن الحوار ليس بديلاً عن المؤسسات الدستورية ولا إطارًا لمحاكمة الماضي، بل وسيلة لبناء توافقات جديدة حول المستقبل.
وفي هذا الإطار، حددت الوثيقة ثلاثة أهداف استراتيجية للحوار تتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، وتطوير النظام الديمقراطي، وتحسين جودة الحوكمة، قبل أن تضع قائمة واسعة من الملفات التي ستخضع للنقاش، تشمل الإرث الإنساني، ومخلفات العبودية، والإصلاحات الانتخابية، ومكافحة الفساد، وإصلاح القضاء والإدارة والتعليم والصحة والعقار، إضافة إلى قضايا الهجرة واللامركزية والتنوع الثقافي وتمكين الشباب والنساء وتحسين الخدمات الأساسية، بما يعكس طموحًا لتحويل الحوار إلى منصة شاملة لمعالجة مختلف التحديات الوطنية.
كما تقترح خارطة الطريق تنظيم أعمال الحوار ضمن أربعة محاور كبرى هي: تعزيز التماسك الاجتماعي، وإصلاح النظام الديمقراطي وترسيخ دولة القانون، والحوكمة والإصلاحات القطاعية، ثم مشاركة المواطنين وإدماج الفئات الهشة في الحياة العامة.
ولإضفاء طابع جامع على الحوار، أوصت الوثيقة بتوسيع دائرة المشاركين لتشمل الأحزاب السياسية المعترف بها وتلك قيد الترخيص، والمرشحين السابقين للانتخابات الرئاسية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات المستقلة، وممثلي الجاليات الموريتانية في الخارج.
أما على المستوى التنظيمي، فقد رسمت الوثيقة آلية دقيقة لإدارة الحوار، تقوم على إنشاء لجنة إشراف تمثل مختلف الأطراف، وتقسيم النقاش إلى ورشات موضوعاتية يشرف عليها ميسرون ومقررون.
ولم تغفل خارطة الطريق هاجس تنفيذ المخرجات، إذ نصت على جملة من الضمانات، من بينها إعلان رسمي من رئيس الجمهورية والحكومة بالالتزام بتنفيذ ما يتم التوافق عليه، وتوقيع المشاركين على إعلان للتفاهم الوطني، وإنشاء هيئة توافقية لمتابعة التنفيذ، ووضع جدول زمني للإصلاحات، مع نشر الوثائق النهائية وإطلاع الرأي العام بصورة دورية على مراحل تنفيذها.
كما قسمت الوثيقة مسار الحوار إلى أربع مراحل متتالية، تبدأ بمرحلة تحضيرية تمتد ثلاثين يومًا، تعقبها ورشات للنقاش تستمر المدة نفسها، ثم جلسات ختامية لاعتماد التوصيات خلال ثلاثة أيام، قبل الانتقال إلى مرحلة مفتوحة لمتابعة التنفيذ وإعداد النصوص القانونية والتنظيمية اللازمة، بما يجعل الحوار عملية إصلاح مستمرة لا تنتهي بمجرد اختتام جلساته.
أبرز ما ميز الوثيقة الجديدة هو حذف العبارة المتعلقة بـ»المدد والمأموريات»، وهي النقطة التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى عنوان الخلاف بين السلطة والمعارضة.
فالمعارضة اعتبرت أن مجرد إدراج الملف يفتح الباب أمام المساس بالمواد الدستورية المحصنة، بينما تمسكت الأغلبية في مراحل سابقة بحق مناقشة جميع القضايا دون استثناء.
لكن الصيغة النهائية جاءت لتؤكد أن الأولوية أصبحت لإنقاذ الحوار نفسه، حتى وإن اقتضى ذلك تأجيل أو إسقاط أكثر الملفات إثارة للجدل.
ويعكس هذا التعديل استعدادًا متبادلًا لتقديم تنازلات تكتيكية من أجل ضمان انطلاق المسار السياسي، بدلاً من بقائه رهينة لخلاف دستوري مبكر.
ووصف منسق الحوار موسى فال، اللحظة بأنها بداية مرحلة تاريخية جديدة، مؤكدًا أن الوثيقة تتضمن أربعة محاور رئيسية تتضمن إصلاحات كبرى للوطن، وأن مرحلة التوقيع انتهت لتبدأ مرحلة أخرى سيحدد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني موعد انطلاقها.
ورغم أجواء الارتياح، حرص فال على توجيه رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة لن تكون أسهل من السابقة، داعيًا الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية إلى دراسة محاور الحوار وتقديم تصورات عملية بشأنها.
ويعكس هذا الخطاب إدراكًا لدى منسق الحوار بأن النجاح الحقيقي لن يقاس بالوصول إلى وثيقة توافقية، وإنما بقدرة الأطراف على إدارة خلافاتها داخل جلسات الحوار نفسها دون العودة إلى مربع التعطيل.
المعارضة: الوقت الضائع أصبح استثمارًاواعتبر رئيس ائتلاف المعارضة الديمقراطية محمد ولد مولود، أن الأشهر الطويلة التي استغرقتها المفاوضات لم تكن وقتًا مهدورًا، بل شكلت استثمارًا سياسيًا للمستقبل.
وأكد أن التفاهم الذي تحقق حول الوثائق سيسهل الوصول إلى تفاهمات أكبر خلال جلسات الحوار، مشددًا على أن البلاد بحاجة إلى وفاق وطني يحصن استقرارها في ظل بيئة إقليمية ودولية متقلبة تتسارع فيها التحولات الأمنية والسياسية.
وفي الاتجاه نفسه، وصف رئيس حزب موريتانيا إلى الأمام نور الدين ولد محمدو، التوقيع بأنه نجاح سياسي مهم وعتبة صلبة وضعت الحوار على الطريق الصحيح بعد أشهر من الأخذ والرد، مؤكدا أن المعارضة أصرت على تنقية الوثيقة من أي نص قد يمس المكتسبات الوطنية أو المواد الدستورية المحصنة، وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، لأنها ستكون داخل ورشات الإصلاح السياسي والمؤسسي.
رغم أجواء التوافق، فإن النقاشات التي رافقت التوقيع أظهرت أن الملفات الحساسة لم تختف، وإنما انتقلت من مرحلة التفاوض حول جدول الأعمال إلى مرحلة النقاش حول المضمون.
فقد نبه نائب رئيس حزب اتحاد قوى التقدم، لو غورمو، إلى أن نجاح الحوار لن يقاس فقط بالاتفاقات السياسية، وإنما أيضًا بقدرته على تكريس الشمول الوطني.
وانتقد غياب الترجمة إلى اللغات الوطنية الأخرى وإلى الفرنسية خلال مراسم التوقيع، معتبرا أن بناء الثقة يبدأ أيضًا من احترام التنوع اللغوي، وأن الحوار مطالب بجمع جميع الموريتانيين حول مصير واحد لا حول لغة واحدة.
ويكشف هذا الطرح أن قضايا الهوية والاندماج الوطني ستكون حاضرة بقوة في جلسات الحوار، حتى وإن لم تظهر ضمن الخلافات الإجرائية السابقة.
الإرث الإنساني… الملف الأكثر حساسيةوبينما نجح الفرقاء في تجاوز أزمة «المأموريات»، بدأت الأنظار تتجه نحو ملف آخر يبدو مرشحًا ليكون محور النقاش الأكثر حساسية، وهو ملف الإرث الإنساني.
فالسياسي سيدي محمد ولد خليفة، يرى أن الطريقة التي صيغ بها هذا المحور تثير أسئلة سياسية وقانونية عميقة، معتبرا أن تخصيص ورشة مستقلة للإرث الإنساني قد يفتح الباب أمام تبني رواية سياسية بعينها، بدلا من معالجة جميع المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان ضمن إطار وطني موحد.
ويحذر أصحاب هذا الرأي من أن أي مقاربة توحي بإقرار مسؤولية جماعية لمكون اجتماعي بعينه قد تؤدي إلى نتائج معاكسة للهدف الأساسي من الحوار، وهو تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ المصالحة.
في المقابل، ترى أطراف أخرى أن معالجة هذا الملف بصورة واضحة أصبحت ضرورة لإغلاق واحد من أكثر ملفات الذاكرة الوطنية تعقيدًا، بما يضمن جبر الضرر وتعزيز العدالة.
ومن المرجح أن يشكل هذا التباين أحد أبرز الاختبارات السياسية التي ستواجه طاولة الحوار فور انطلاق أعمالها.
من حوار الإجراءات إلى حوار الإصلاحاتتكشف التجربة التي سبقت التوقيع أن الأطراف السياسية نجحت، ولو بصعوبة، في إدارة خلافاتها حول الشكل وآليات التنظيم، لكن النجاح الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل إلى مناقشة الإصلاحات الجوهرية المتعلقة بالحكم، والديمقراطية، والوحدة الوطنية، والعدالة، والتعليم، والحكامة، وقضايا الذاكرة الوطنية.
كما أن الرهان لم يعد يقتصر على إصدار توصيات توافقية، بل أصبح مرتبطًا بقدرة النظام السياسي على تحويل تلك التوافقات إلى سياسات وتشريعات قابلة للتنفيذ، بما يعيد الثقة في الحوار كوسيلة لإدارة الخلافات الوطنية.
يشكل توقيع الوثيقة المرجعية نهاية أطول مراحل الإعداد للحوار الوطني، لكنه في الوقت نفسه يمثل بداية المرحلة الأصعب.
فقد أثبتت الأشهر السبعة عشر الماضية أن الوصول إلى صيغة مشتركة ممكن عندما تتوفر الإرادة السياسية، غير أن المحافظة على هذا المناخ ستتطلب مستوى أعلى من المسؤولية عندما تبدأ مناقشة الملفات الجوهرية.
وتتجه الأنظار الآن إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي ينتظر أن يحدد موعد الانطلاقة الرسمية للحوار، لتبدأ معه مرحلة جديدة ستختبر ليس فقط قدرة الأغلبية والمعارضة على إدارة خلافاتهما، بل أيضًا قدرة الطبقة السياسية الموريتانية على إنتاج تسوية تاريخية تعزز الاستقرار والوحدة الوطنية، دون أن تتحول الملفات الأكثر حساسية إلى أسباب جديدة للاستقطاب والانقسام.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك