وكالة الأناضول - ليبيا.. الدبيبة يبحث مع مدير المخابرات الأردنية العلاقات الثنائية الجزيرة نت - تغيير جغرافي وديموغرافي.. الاحتلال يحشر مليوني فلسطيني في 36% من غزة Independent عربية - ديشان يودع فرنسا بهزيمة لكن إرثه يبقى عصيا على المحو روسيا اليوم - الكويت تعلن اعتراض 4 صواريخ جوالة و21 مسيرة إيرانية منذ فجر الأربعاء روسيا اليوم - سلوتسكي: الاتحاد الأوروبي يشعل حربا عالمية ثالثة من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة وكالة سبوتنيك - القيادة المركزية الأمريكية تعلن شن موجة جديدة من الضربات ضد إيران اليوم قناه الحدث - ترامب يدرس توسيع الحرب ضد إيران.. وخياراته تشمل خارك وجبل الفأس قناة القاهرة الإخبارية - لماذا لا تستطيع واشنطن إعلان النصر في حربها ضد إيران حتى الآن؟ قناة الغد - مدار الغد| 34 مستوطنة جديدة.. هل تُنهي إسرائيل حلم الدولة الفلسطينية؟ الجزيرة نت - القناة الـ13: "الشاباك" يوافق على حماية سارة نتنياهو مدى الحياة
عامة

حين يصبح الوطن رفاً من الكتب… وأوطان تنتظر صافرة النهاية

القدس العربي
القدس العربي منذ 51 دقيقة

في الحروب، يخسر الناس بيوتهم، وتقتلع الأشجار، وتهدم المدارس، وتختفي الشوارع التي كانت تحفظ أسماء أصحابها. لكن ثمة خسارة أخرى لا تترك وراءها غباراً كثيفاً ولا صوراً لخرسانة منهارة. إنها خسارة الذاكرة ح...

في الحروب، يخسر الناس بيوتهم، وتقتلع الأشجار، وتهدم المدارس، وتختفي الشوارع التي كانت تحفظ أسماء أصحابها.

لكن ثمة خسارة أخرى لا تترك وراءها غباراً كثيفاً ولا صوراً لخرسانة منهارة.

إنها خسارة الذاكرة حين تنتزع من مكانها، وخسارة الإنسان حين يصبح مضطراً لأن يحمل تاريخه بين ذراعيه، لا في قلب مدينة، إنما فوق قطعة قماش في خيمة.

رأيت رجلاً لم يكن يبيع كتباً، بل كان يبيع أجزاءً من عمره.

خمسة وثلاثون عاماً أمضاها يجمع الكتب كتاباً بعد كتاب، حتى أصبحت الرفوف تعرف ترتيب يديه، وأصبحت العناوين تحفظ ملامح وجهه أكثر مما تحفظ أسماء مؤلفيها.

لم تكن الكتب عنده أوراقاً مصفوفة، بل رفاق حياة، وشهوداً على سنوات من البحث والقراءة والحلم.

ثم جاءت الحرب.

لم يبق من مكتبته إلا ما استطاع أن ينتشله من تحت الركام، كمن يبحث بيديه العاريتين عن نبض لا يزال مختبئاً تحت الحجارة.

وبينما كان الآخرون يفتشون عن الملابس أو الطعام أو الوثائق الرسمية، كان هو يفتش عن الكتب.

أي قلب هذا الذي يقوده إلى الركام بحثاً عن كتاب؟ لا يفعل ذلك إلا من يعرف أن الإنسان قد ينجو بجسده، لكنه يموت إذا فقد المعنى.

قال إن الحرب أخذت منزله، وأخذت ابنه، وأخذت مكتبته.

وحين نطق بكلمة «ابني»، خيّل إليّ أن الكلمات نفسها انكسرت قبل أن تصل إلى الهواء.

بعض الآباء يبكون أبناءهم، أما هو فكان يتحدث عن ابنه وعن مكتبته في الجملة نفسها، لا لأن الكتاب يعادل الابن، إنما لأن كليهما كان قطعة من حياته، وكلاهما انتزع منه بالقوة نفسها.

كم هو موجع أن يصبح الإنسان مضطراً لأن يبيع الكتاب ليشتري الخبز، بينما كان يشتري الخبز سابقاً ليعود ويقرأ الكتاب… يا لها من مفارقة قاسية!في الأزمنة الطبيعية، تشترى الكتب بعد أن تمتلئ البطون.

أما في زمن المجاعة، فتباع الكتب كي لا تجوع البطون.

لكن ما الذي يحدث للروح حين تجوع أيضاً؟ذلك الرجل لم يكن يخشى على الورق.

كان يخشى على ما يحمله الورق.

كان يعرف أن الكتب ليست مجرد حبر، هي ذاكرة أمة كاملة.

كل كتاب يختفي هو نافذة تنطفئ، وكل مكتبة تهدم هي مدينة صغيرة تمحى من الخريطة دون أن يلتفت إليها أحد.

ولعل أكثر ما هزّني لم يكن حزنه، إنما إصراره.

بعد كل ما فقده، ما زال يجلس بين كتبه، يرتبها، ينفض الغبار عنها، ويبتسم لطفل جاء يشتري كتاباً بثمن بسيط.

كأنه يقول للعالم إن المعرفة لا تستسلم حتى وهي ترتجف من الجوع.

ما أعظم هذا المشهد.

رجل فقد البيت، لكنه لم يفقد إيمانه بالكلمة.

وفقد الابن، لكنه ما زال يفتح الكتب للأطفال.

فقد المكتبة، لكنه ما زال يؤمن أن قارئاً جديداً قد يولد من بين هذه الأكوام المتناثرة.

ربما لهذا السبب يخاف مشعلو الحروب والطغاة من الكتب.

فالقذيفة تستطيع أن تهدم جداراً، لكنها لا تستطيع أن تمحو فكرة استقرت في عقل إنسان.

ويمكن للنار أن تحرق آلاف الصفحات، لكنها تعجز عن إحراق المعنى بعدما يسكن القلوب.

لهذا ظل الكتاب، عبر التاريخ، عدواً لكل استبداد، لأن الكلمة الحرة تعيش أطول من الطغاة، ولأن الأفكار، مهما دفنت تحت الركام، تعرف دائماً كيف تعود إلى الضوء.

ولم يكن الطفل الذي وقف يقلب صفحات أحد الكتب مشهداً عابراً.

كان إعلاناً صغيراً بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على أن تمد يدها للمستقبل.

ففي المكان الذي أرادت الحرب أن تزرع فيه اليأس، كان طفل يفتح كتاباً، وهل هناك انتصار أبلغ من هذا؟لقد استطاعت الحرب أن تحوّل المكتبة إلى بسطة متواضعة في مخيم، لكنها لم تستطع أن تحوّل صاحبها إلى رجل يكره المعرفة.

لقد بقي وفيّاً لها.

تأملت وجهه طويلاً.

لم أرَ فيه ملامح بائع كتب.

كانت ملامح حارس لذاكرة شعب بأكمله.

كان يجلس بين أكوام الكتب كما يجلس آخر جندي يدافع عن مدينة لم يبق منها إلا اسمها.

وفهمت فجأة أن الوطن ليس دائماً قطعة أرض، أحياناً يكون رفاً من الكتب.

وأحياناً يكون قصة يرويها أب لابنه.

وأحياناً يكون مكتبة صغيرة رفض صاحبها أن تموت، رغم أن كل شيء حولها كان يدعو إلى الموت.

لهذا، حين يغادر الناس تلك البسطة وهم يحملون كتاباً، فإنهم لا يشترون ورقاً مطبوعاً، إنما يحملون معهم جزءاً من ذاكرة رجل، ومن كرامته، ومن مقاومته الصامتة.

وفي زمن تُقاس فيه القوة بعدد الصواريخ، يذكّرنا ذلك الرجل بأن أعظم أشكال المقاومة قد تبدأ من كتاب أُنقذ من تحت الركام، ومن يد ما زالت تؤمن أن الكلمة، مهما أثقلها الغبار، ستجد دائماً من يفتحها… ويقرأها.

تسعون دقيقة كانت كافية ليتوقف الزمن داخل الموقع العسكري، لكن الزمن، خارج تلك الجدران، لم يتوقف لحظة واحدة.

على شاشة صغيرة، كان لاعبون يركضون خلف كرة، بينما في الخارج ما زالت أرض الجنوب تحفظ آثار الأحذية العسكرية، وما زالت القرى تعرف جيداً أن الاحتلال لا يصبح أقل قسوة لأن جنوده توقفوا قليلاً لمتابعة مباراة.

الحرب لا تتوقف لأن الشاشة أضاءت.

ولا يصبح السلاح أقل خطراً لأن اليد التي تحمله صفقت لهدف جميل.

هناك مفارقة لا تستطيع الصورة أن تخفيها.

فالأرض التي تعرض عليها المباراة ليست أرضاً محايدة، بل أرض لها أصحابها، ولها تاريخها، ولها ذاكرة لم تنس بعد سنوات الاحتلال والعدوان والخوف، وحين ينشغل الجنود بتشجيع فريق، يبقى السؤال معلقاً: ماذا عن أصحاب البيوت التي تطل على هذه المواقع؟ هل يستطيعون هم أيضاً أن يجلسوا مطمئنين لمشاهدة مباراة؟ أم أن الحرب سرقت منهم حتى رفاهية الانشغال بنتيجة تسعين دقيقة؟ كرة القدم، في جوهرها، احتفال بالحياة.

أما الاحتلال، فهو نقيض الحياة.

ولهذا تبدو الصورة كأنها تجمع عالمين لا يلتقيان: عالم يحتفل بهدف، وعالم ما زال ينتظر أن يسجل هدفه الأول… هدف الحرية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك