يحلل تقرير أكاديمي عنوانه “الصحافة والذكاء الصنعي: تحليل منظوماتي ورقمي” أثر التقنيات الرقمية الحديثة بين 2010 و2025 مشيرا الى ارتفاع هائل بنسبة 172% في عدد المنشورات الصحافية التي تتبنى الذكاء الصنعي التوليدي.
مستقبل الصحافة، نسبة لهذا التقرير، سيتجه نحو تعميق الاعتماد على النماذج الأساسية مثل، تشات جي بي تي وجيميناي لتمكين سير عمل متخصص للغاية، ويتوقع أن تصبح حوكمة الوسائل الصنعية (تنظيم النصوص والصور والمقاطع المزيفة التي ينتجها الذكاء الصنعي) ساحة معركة رئيسية لأخلاقيات الإعلام وتنظيمه.
ينتبه التقرير إلى وجود عملية هائلة للاستحواذ على البنية التحتية لهذه النماذج، حيث تفقد المؤسسات الإخبارية السيطرة التحريرية بسبب اعتمادها الهيكلي على أدوات الذكاء الصنعي، المسجلة الملكية التي تمتلكها منصات التكنولوجيا الكبرى.
يجادل التقرير في أن المستقبل يتطلب التحول من الأخلاقيات التفاعلية إلى “الحوكمة الاستباقية”، حيث يتم تضمين الاعتبارات الأخلاقية في مرحلة تصميم أدوات الذكاء الصنعي.
يستشرف تقرير آخر بعنوان “الشخصية التحريرية والذكاء الصنعي” صادر عن “مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية”، كيف يشكل الذكاء الصنعي والخوارزميات الصوت الصحافي والظهور الإعلامي، حسب هذا التقرير فإنه رغم كفاءة الذكاء الصنعي في التعامل مع المهام الروتينية، فلا يمكنه محاكاة “اللمسة الإنسانية” المطلوبة التي تسهم بنشر المحتوى بشكل واسع، والتي تخلق صدى عاطفيا عميقا.
يرى التقرير أنه مع تزايد المحتوى الصنعي، سيسعى القراء بشكل متزايد إلى المواد التي تعكس العمق البشري والتنسيق التحريري كوسيلة لكسب ثقتهم في عالم “مليء بالضوضاء” الرقمية، لكنه يحذر الصحافيين من أن تحرير هذه الوسائل، من الوسائل الروتينية، ويوجه تركيزهم على التقارير المعقدة وذات القيمة العالية فإنه قد يخفض العدد الإجمالي للوظائف الصحافية.
يدرس كتاب الصحافي الاستقصائي علي الإبراهيم عن الذكاء الصنعي والصحافة، القضية الأخلاقية بتوسّع وذلك بوضع إرشادات واضحة لسياسات غرف الأخبار تتعلق بنسب المحتوى، والإشراف البشري، والإفصاح للجمهور عن استخدام هذه التقنية.
يرى الكتاب ضرورة تطوير الصحافيين لما يعرف بـ”الإلمام بالذكاء الصنعي”، الذي لا يقتصر على المهارات التقنية، بل يشمل أيضا القدرة على التقييم النقدي لمخرجات الذكاء الصنعي من حيث التحيز والأخطاء.
توفّر المنصّات العديدة الموجودة في السوق الرقمية الإمكانية للمؤسسات الإعلامية لتتبع الأوضاع في الدول العربية والعالم في الوقت الحقيقي، بالتزامن مع ما يكتب في كبرى عواصم العالم المؤثرة، وهو أمر يفترض أن يؤهلها لنقلة كبرى ليس في أداء الصحافة وحسب، بل وفي وظيفتها، وفهمها لدورها.
يبدو التحول تقنياً، لكنه سياسيّ بامتياز لأن الصراع لم يعد يدور حول من يملك الوسيلة الإعلامية، بل حول من يملك القدرة على تشكيل الرواية، داخل شبكة معلومات مفتوحة.
في هذا المستوى المفتوح عالميا، لن تكون مؤسسات الإعلام الأكثر تأثيراً هي تلك التي تنتج أكبر عدد من المقالات، بل تلك التي تقدم شيئاً أكثر ندرة، مثل التفسير الذي يمكن الوثوق به، والتحقق الذي يمكن الاعتماد عليه، والفهم العميق للسياقات الثقافية والسياسية للمجتمعات والنظم العربية.
رغم التسارع الكبير في هذا الخصوص، ما تزال هناك أسئلة كبيرة لم تحسم إجاباتها بعد، مثل: هل يطور الجمهور مهارات جديدة لتمييز المحتوى الموثوق، وهل ستتمكن المنصات الإعلامية من الخوض في بحر تصميم الخوارزميات، بنفسها، لتتمكن من مواجهة التضليل؟في عالم سيغمره الذكاء الصُنعي والتقنيات الحديثة، قد تصبح هذه الصفات – وليس التكنولوجيا وحدها – هي الميزة التنافسية الحقيقية للصحافة العربية.
ربما لن يكون السؤال بعد سنوات: من استخدم الذكاء الصُنعي أولا، بل من استطاع ان يحافظ على ثقة جمهوره وهو يستخدمه.
ستساهم هذه التقنيات الجديدة في تحليل اتجاهات الرأي، وفي تتبع السرديات، وفي تحديد المؤثرين، وحتى في إنتاج محتوى موجه – وكلها أدوات أصبحت متاحة، لكن هذا يخلق تحديا كبيرا للصحافيين: لم يعد فهم السياسة كافيا، بل يجب فهم البنية التقنية التي تُنتج وتُوزّع هذه السياسة.
في ظل الصراع العالمي الهائل على تشكيل المعلومات التي تمثّل العنصر الرئيسي لنماذج تقنيات الذكاء الصنعي، تتحوّل الصحافة هي أيضا إلى جغرافيا في ديناميّات الصراع.
من جهة، ستسعى المؤسسات الإعلامية لاستخدام الذكاء الصنعي، وهو ما يجعلها في موضع تلق وتأثّر من القوى المسيطرة على هذه التقنيات، بشكل يجعلها غير قادرة، بشكل دائم، على اكتشاف الانحيازات المعرفية الكامنة في النماذج اللغوية الكبرى بشكل لا يؤثر على أجنداتها.
رغم الفوائد الممكنة التي ستتوفر للصحافة بسبب هذه التقنيات، التي تسرّع الإنتاج، وتؤتمته، وتسهم في الوصول الآني للخبر، وإمكانات تمحيصه واستقصائه، فإن هذه الفوائد ستكون محكومة أيضا بقدرات المؤسسات الكبرى المهيمنة في العالم على التحكم في نماذجها اللغوية الكبرى، وفي تمرير انحيازاتها، التي لا تخفيها الولايات المتحدة، اللاعب الأكبر في هذا المجال، ولا يخفيها ملاك هذه النماذج مثل إيلون ماسك (صاحب منصتي غورك وتويتر).
في هذا الإطار، يصبح الفضاء الإعلامي أكثر “إدارة” مما يبدو.
وما يظهر كحوار عفوي قد يكون نتيجة استراتيجيات محسوبة.
أحد السيناريوهات التي يمكن تحليلها لاستشراف هذا التطور أن تقوم شبكة إعلامية كبرى (لنقل “الجزيرة” على سبيل المثال)، بامتلاك أرشيف ضخم، وفريق بيانات، وخبراء أمن رقمي، ومحررون متعددو اللغات، ما يجعلها قادرة على استخدام الذكاء الصنعي بشكل أفضل بكثير من منصة صغيرة، ومن يملك البيانات والبنية التقنية سيملك القدرة على إنتاج الرواية بسرعة وعمق وانتشار.
لا تعيد التكنولوجيا في هذا المثال رسم الخريطة تلقائيا، بل تفتح صراعا جديدا داخل الخريطة القديمة.
لقد سبق التضليل السياسي الذكاء الصنعي بعقود، من الصحافة الحزبية إلى الإذاعات الدعائية إلى التلفزيون وصولا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الجديد هنا ليس وجود الدعاية نفسها، بل سرعتها وقابليتها على تقليد البشر، الإضافة التي قدمها الذكاء الصنعي هنا أنه نقل التضليل من مرحلة الحملات المكلفة والمنظمة إلى مرحلة الإنتاج الكثيف، والشخصي، والمستمر على مدار الساعة.
في حالة الأخبار المختلقة، أو الصحيحة، عن أحداث طائفية أو أمنية، كما هو جار في سوريا ولبنان والعراق والسودان واليمن، قد لا يكون هدف الأطراف المصطرعة، إقناع الجمهور برواية واحدة، بل إغراقه بروايات متضاربة حتى يتوقف عن التصديق كلياً.
يهبط هنا هدف «توجيه الرأي العام» نحو موقف محدد، إلى إنهاك المجال العام نفسه.
لا تسعى الحملات، في هذا السياق، إلى جعل الجمهور يصدّق رواية معينة، بل لجعله يشكّ في إمكانية الوصول إلى أي رواية موثوقة أصلا.
يمكن أيضا لخفض تكلفة الإنتاج، وظهور المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، أن يهدد وسائل الإعلام التقليدية ومراكزها، ولكن المأمول عند حصول الأزمات الكبرى، ألا يعتمد الجمهور غالباً على آلاف الحسابات الصغيرة فقط، بل يعود إلى أسماء يعرفها: وكالات أنباء، قنوات كبرى، صحافيين معروفين، أو منصات تحقق.
لذلك قد ينتج الذكاء الصنعي مشهداً مزدوجاً: انفجارا في الأطراف من جهة، وعودة إلى المركز من جهة أخرى.
أشرت في مقام سابق إلى تجربة استخدام “صحافيين آليين”، وهو ما يدفع للسؤال: لو قام هذا “الروبوت” الصحافي بكتابة خبر عن حادث أمني، أو توتر طائفي اعتمادا على مصادر غير دقيقة، فهل ستعتبر تلك “هلوسة” لغوية؟ أم مشاركة في الصراع ذات أثر سياسي واجتماعي؟ يشير هذا إلى أن المعركة لا تتعلق بنشر الخبر بل بالسيطرة على السلسلة كاملة، من جمع المعلومة، إلى تفسيرها، ترجمتها، توزيعها، ثم قياس أثرها وإعادة تدويرها.
يجب القول إن الذكاء الصنعي ليس أداة متاحة مجانا.
إنها، حسب المصطلح الماركسي العتيد، “وسيلة إنتاج” يتحكم فيها من يملكها ويمولها وأين تخزن بياناتها وبأي لغة تدربت ومن يضع قواعد السلامة والرقابة عليها.
الذكاء الصنعي ليس محايدا جغرافيا، فأغلب النماذج الكبرى والبنى السحابية ومنصات التوزيع تملكها شركات أمريكية أو صينية أو أوروبية، وهذا يعني أن الإعلام العربي قد ينتقل من تبعية لمنصات التواصل إلى تبعية أعمق للبنية التحتية للذكاء الصنعي.
قد تستخدم وسيلة إعلام عربية نموذجا لغويا أجنبيا لتحليل خطاب سياسي عربي، لكن هذا النموذج قد لا يفهم الفروق بين الفصحى واللهجات، أو بين السخرية السياسية والتعبئة الطائفية، أو في السياقات التاريخية والاجتماعية للمصطلحات الدينية والسياسية (كالسبي والجهاد والإرهاب ومعاداة السامية).
المعركة، بهذا المعنى، ليست على الرواية فحسب، بل على الأدوات التي تنتج الرواية.
كاتب من أسرة “القدس العربي”.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك