عمّان – في الوقت الذي أقرت فيه الحكومة أسسا جديدة لمنح الجنسية الأردنية مقابل الاستثمار، أكد اقتصاديون أن هذا التوجه يمثل تحولا في آلية استقطاب الاستثمارات، من التركيز على حجم الاستثمار فقط إلى ربط الحوافز بالأثر الاقتصادي الذي يحققه المستثمر، من حيث خلق فرص العمل، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز التنمية الاقتصادية.
وبين الخبراء، في تصريحات لـ" الغد"، أن منح الجنسية أو الإقامة مقابل الاستثمار يعد أحد الأدوات المتبعة عالميا لاستقطاب رؤوس الأموال النوعية، إلا أن نجاح هذه السياسة يعتمد على قدرة الدولة على توفير بيئة أعمال تنافسية ومنظومة متكاملة من الحوافز والخدمات التي تجعل قرار الاستثمار أكثر جاذبية.
وأشاروا إلى أن توجيه جزء من هذه الاستثمارات نحو المحافظات، من خلال تخفيض متطلبات الاستثمار خارج العاصمة، يمكن أن يسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم مسار التنمية المتوازنة بين مختلف مناطق المملكة، إلى جانب تعزيز فرص نجاح المشاريع التنموية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع مدينة" عمرة".
وأكدوا أن ربط منح الجنسية بالاستثمار في مشاريع إنتاجية وقطاعات ذات قيمة مضافة، إلى جانب اشتراط التشغيل الفعلي للأردنيين والمحافظة على الاستثمارات لفترات زمنية محددة، من شأنه تعزيز الأثر الاقتصادي لهذه السياسة والحد من الاستثمارات قصيرة الأجل.
وفي المقابل، لفت الخبراء إلى أن الحوافز المرتبطة بالجنسية والإقامة لا تكفي وحدها لاستقطاب المستثمرين في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة، مؤكدين أهمية مواصلة إصلاح بيئة الأعمال، وخفض كلف الإنتاج والتشغيل، وتسريع الإجراءات، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما يعزز تنافسية الأردن كوجهة استثمارية.
المحافظات والمشاريع الإستراتيجيةكان مجلس الوزراء قد قرر، في جلسته التي عقدها أمس الأربعاء برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، تعديل أسس منح الإقامة والجنسية الأردنية للمستثمرين، بهدف تعزيز فرص استقطاب وتحفيز الاستثمار في المحافظات، ورفع سقف متطلبات الحصول على الجنسية عن طريق الاستثمار في سوق عمّان المالي، إلى جانب تحفيز الاستثمار في مشاريع وطنية إستراتيجية، مثل مشروع مدينة" عمرة".
وتشكل هذه التعديلات نقلة نوعية في تطوير آلية الحصول على الجنسية والإقامة عبر الاستثمار، من خلال تعديل متطلبات الاستثمار بما يعزز توجيهه نحو المشاريع الإنتاجية والقطاعات ذات الأولوية، ولا سيما في المحافظات، وربط الحوافز الاستثمارية بالأثر الاقتصادي الحقيقي، بما يدعم النمو الاقتصادي ويوفر فرص عمل مستدامة للأردنيين، انسجاما مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
وبموجب التعديلات، أتاحت الأسس منح الجنسية الأردنية للمستثمر عند إنشاء مشروع أو مشاريع استثمارية في أي من القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، بإجمالي رأسمال مدفوع لا يقل عن 700 ألف دينار داخل حدود محافظة العاصمة، أو 500 ألف دينار خارجها، شريطة توفير فرص عمل وفقا للأعداد الواردة في الأسس والمعتمدة من المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.
كما سيتم منح الجنسية الأردنية للمستثمر عند الاستثمار في قطاع مستودعات الأدوية والمواد الصيدلانية والأجهزة والمعدات الطبية والجراحية ولوازمها، على أن يكون العاملون فيها من الصيادلة، وكذلك في قطاع الخدمات اللوجستية الغذائية (التخزين والمخازن الكبرى)، شريطة ألا يقل حجم الاستثمار في الشركة أو المؤسسة عن ثلاثة ملايين دينار، مع توفير فرص العمل المطلوبة وفقا للأسس المعتمدة.
ولغايات تشجيع الاستثمار في مشروع مدينة" عمرة"، تضمنت الأسس منح الجنسية الأردنية للمستثمرين في المشروع عند استثمار ما لا يقل عن 1.
5 مليون دينار لكل مستثمر في مختلف الأنشطة الاقتصادية، شريطة توفير فرص عمل حقيقية للأردنيين وفقا لكشوفات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.
ويشار إلى أن عدد الحاصلين على الجنسية الأردنية عبر الاستثمار منذ صدور القرار عام 2018 وحتى الآن بلغ 681 مستثمرا.
وقال وزير الدولة للشؤون الاقتصادية الأسبق يوسف منصور: إن تعديل أسس منح الجنسية الأردنية للمستثمرين يمثل خطوة إيجابية من شأنها تعزيز قدرة المملكة على استقطاب المزيد من الاستثمارات النوعية خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح منصور أن الأسس الجديدة تبدو منطقية ومتوازنة؛ لأنها تربط الحصول على هذه الميزة المهمة بتحقيق أثر اقتصادي حقيقي من خلال استثمارات إنتاجية توفر فرص عمل وتدعم مسار النمو الاقتصادي، بما يحقق مصلحة الحكومة والمستثمر في آن واحد.
وأشار إلى أن منح الجنسية مقابل الاستثمار يعد من الأدوات المعتمدة في العديد من الاقتصادات المتقدمة حول العالم لجذب رؤوس الأموال النوعية وتعزيز التنافسية الاقتصادية، لافتا إلى أهمية توجيه هذه الحوافز نحو القطاعات ذات القيمة المضافة والمشاريع القادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
وأكد أن تخصيص جزء من هذه الحوافز للاستثمارات خارج العاصمة سيترك أثرا إيجابيا في تعزيز النشاط الاقتصادي بالمحافظات، من خلال تحفيز إقامة مشاريع جديدة، وخلق فرص عمل، ودعم البنية التحتية والخدمات في مختلف مناطق المملكة.
ولفت إلى أن ربط منح الجنسية بالاستثمار في مشروع مدينة" عمرة" يشكل توجها إيجابيا من شأنه تسريع استقطاب الاستثمارات إلى أحد أبرز المشاريع التنموية المستقبلية في المملكة، وتعزيز فرص نجاحه مركزا اقتصاديا واستثماريا.
كما بين أن ربط منح الجنسية بالاستثمار في قطاعات حيوية، مثل الخدمات اللوجستية والقطاعات الدوائية والطبية وغيرها من المجالات ذات الميزة التنافسية، يمكن أن يسهم في تطوير هذه القطاعات، ورفع قدراتها الإنتاجية والتصديرية، وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
من حجم الاستثمار إلى الأثر الاقتصاديمن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة أن التعديلات التي أقرها مجلس الوزراء على أسس منح الجنسية الأردنية للمستثمرين تعكس تحولا في فلسفة التعامل مع هذا الملف، من منح الجنسية مقابل الاستثمار إلى منحها مقابل الأثر الاقتصادي الذي يحققه الاستثمار في الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن الأسس الجديدة ربطت منح الجنسية بعدد من المعايير المهمة، في مقدمتها توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة بدلا من الأنشطة غير المولدة للنمو، إضافة إلى اشتراط توفير فرص عمل حقيقية للأردنيين والمحافظة على الاستثمار لفترة زمنية محددة، بما يحد من الاستثمارات قصيرة الأجل.
وأشار إلى أن توجيه الاستثمارات نحو المحافظات يمثل أحد أبرز الجوانب الإيجابية في التعديلات الجديدة، من خلال تخفيض الحد الأدنى للاستثمار خارج العاصمة إلى 500 ألف دينار، مقابل 700 ألف دينار داخل العاصمة، الأمر الذي يمنح المحافظات ميزة تنافسية في استقطاب المشاريع، خاصة في ظل انخفاض كلف الأراضي والتشغيل مقارنة بالعاصمة.
وأضاف أن ربط منح الجنسية بعدد فرص العمل المطلوبة قد يدفع المستثمرين إلى التوجه نحو المناطق التي تتمتع بكلف تشغيلية أكثر تنافسية، ما يسهم في تعزيز النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل في المحافظات.
وفيما يتعلق بإدراج مشروع مدينة" عمرة" ضمن أسس منح الجنسية، قال مخامرة إن ذلك يعكس توجه الحكومة لتعزيز جاذبية المشروع باعتباره أحد المشاريع التنموية الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن تخصيص مسار خاص للمستثمرين في المشروع وربط الامتيازات بحجم الاستثمار والتشغيل الفعلي يمثل خطوة إيجابية لتحفيز الاستثمارات.
إلا أنه أشار إلى أن اشتراط استثمار لا يقل عن 1.
5 مليون دينار لكل مستثمر في مدينة" عمرة" يعد مرتفعا نسبيا مقارنة ببعض المسارات الأخرى، ما يجعل الفئة المستهدفة بشكل رئيس المستثمرين المتوسطين والكبار، وليس أصحاب المشاريع الصغيرة، مؤكدا أن نجاح المشروع سيعتمد على توفير بيئة أعمال متكاملة، وبنية تحتية متطورة، وخدمات تنافسية.
وشدد مخامرة على أن الحوافز المرتبطة بالجنسية والإقامة، رغم أهميتها، لا تشكل العامل الوحيد في قرار المستثمر، إذ ينظر المستثمر الأجنبي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح التشريعات، وسهولة ممارسة الأعمال، وكفاءة القضاء التجاري، وكلف الطاقة والضرائب، وحجم السوق، وإمكانية التصدير.
تطوير منظومة الحوافز الاستثماريةبدوره، قال الخبير الاقتصادي مفلح عقل: إن إقرار أسس الحصول على الجنسية الأردنية مقابل الاستثمار من شأنه أن يسهم في تعزيز قدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة، بما ينعكس إيجابا على النشاط الاقتصادي.
وأوضح عقل أن هذه الاستثمارات يمكن أن تسهم في رفد خزينة الدولة بإيرادات إضافية، بما يساعد في تخفيف الضغوط المالية الناجمة عن ارتفاع مستويات الدين العام، وتلبية متطلبات الإنفاق على الخدمات العامة والبنية التحتية.
وفي المقابل، أكد أن تعزيز جاذبية الاستثمار لا يرتبط بالحوافز وحدها، وإنما يتطلب مواصلة العمل على إصلاح بيئة الأعمال المحلية، وخفض كلف الإنتاج والتشغيل، وتسريع إجراءات الحوكمة الاقتصادية، بما يرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار تواجه منافسة قوية على المستوى الإقليمي، الأمر الذي يستدعي التوسع في منظومة الحوافز الاستثمارية المرتبطة بها وتطويرها، بما يمنح الأردن قدرة أكبر على جذب المستثمرين مقارنة بالأسواق المنافسة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك