عمان- في تفاصيل تقارير ديوان المحاسبة تختبئ إشارات مبكرة قد تكشف مستقبل المخاطر المالية؛ فقراءة البيانات المتراكمة وتحليلها يمكن أن يحول الملاحظات الرقابية إلى خريطة طريق للوقاية قبل وقوع الأزمات.
اضافة اعلانويشير مختصون في القانون الاداري والمالي، في تصريحات لـ" الغد"، إلى أن القيمة الحقيقية لهذه التقارير لا تكمن فقط برصد المخالفات، بل بالقدرة على إعادة توظيفها كأداة استباقية تحدد المؤسسات الأكثر عرضة للمخاطر، عبر تحويل الملاحظات المتكررة والاختلالات المالية والإدارية إلى مؤشرات قابلة للقياس والتحليل.
ويرى خبراء أنه بذلك تتحول تقارير ديوان المحاسبة من وثائق رقابية توثق ما حدث إلى أداة استشرافية تساعد في منع ما قد يحدث، وتنقل إدارة المال العام من معالجة آثار المخالفات إلى بناء منظومة أكثر قدرة على الوقاية والحوكمة.
وتبدأ هذه الآلية عبر بناء قاعدة بيانات رقمية تجمع ملاحظات الديوان عبر السنوات، وتصنفها وفقا لنوع المخالفة وتكرارها وجسامتها وأثرها المالي، بما يسمح بالكشف عن الأنماط المتكررة والتمييز بين الأخطاء الطارئة ومواطن الخلل المستمرة، بحسبهم.
توظيف التكنولوجيا المتقدمةوعن آلية الاستفادة من تقارير ديوان المحاسبة في بناء مؤشرات للمخاطر المالية، يؤكد وزير تطوير القطاع العام السابق د.
خير أبو صعيليك، إمكانية استثمار تقارير ديوان المحاسبة بفاعلية لرسم خريطة للمؤسسات الأكثر عرضة للمخاطر المالية قبل وقوع الأزمات، شريطة الانتقال من توظيفها كأداة رقابية لاحقة إلى أداة استباقية تستشرف المخاطر وتدعم متخذي القرار.
وقال: إن" تحويل تقارير ديوان المحاسبة من مجرد أداة رقابية لاحقة إلى أداة استباقية استشرافية يمثل نقلة نوعية في الإدارة المالية العامة"، مضيفا أن تحقيق ذلك يتطلب توظيف التكنولوجيا المتقدمة وتحويل الملاحظات الكمية إلى بيانات رقمية بما يتيح بناء منظومة رقابية قائمة على المخاطر تعمل" كأنظمة إنذار مبكر للتنبؤ باحتمالية حدوث الأخطاء والحد منها".
وبين أن آلية تنفيذ هذا التوجه تبدأ بإنشاء قاعدة بيانات رقمية تضم جميع الملاحظات الواردة في تقارير ديوان المحاسبة عبر السنوات، مع ربطها بالتسلسل الزمني وجسامة المخالفات، بما يسمح بالتمييز بين المخالفات المتكررة ذات الطابع الهيكلي والمخالفات الطارئة، الأمر الذي يوفر أساسا علميا لتقييم مستوى المخاطر في كل مؤسسة.
ويوضح أن هذه البيانات يمكن توظيفها لإنشاء" خريطة للمخاطر" وخرائط تفاعلية تعتمد على أدوات تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث تعمل كأداة للتنبؤ بالمخاطر استنادا إلى تكرار المخالفات وجسامتها، ما يسهم في تسريع إجراءات التصويب، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، وترسيخ مبادئ الحوكمة.
وشدد على أهمية تطوير خوارزميات ذكية قادرة على رصد احتمالية وقوع التجاوزات قبل حدوثها، وتحديد المؤسسات الأكثر عرضة للمخالفات عبر تحليل مؤشرات مثل تداخل الاختصاصات، وضعف أنظمة الرقابة الداخلية، وضعف الكوادر، مؤكدا أن هذا النهج يعزز قدرة الجهات الرقابية على الانتقال من معالجة المخالفات بعد وقوعها إلى منعها والحد من آثارها قبل أن تتحول إلى أزمات مالية.
التقارير ليست رصدا للمخالفاتوفيما يتعلق بدور تقارير ديوان المحاسبة في رصد المخاطر قبل وقوع الأزمات، يؤكد أستاذ القانون الإداري في الجامعة الأردنية د.
محمد المعاقبة، أن تقارير ديوان المحاسبة يمكن أن تشكل أداة فاعلة لرسم خريطة للمؤسسات الأكثر عرضة للمخاطر المالية قبل وقوع الأزمات، إذا جرى استثمارها وتحليلها بمنهجية علمية تحولها من وثائق رقابية ترصد المخالفات إلى نظام إنذار مبكر يدعم صناعة القرار.
وشدد على أن هذه التقارير" ليست مجرد رصد للمخالفات بعد وقوعها"، بل إن إعادة تحليلها بصورة منهجية يجعلها" نظام إنذار مبكر يحدد المؤسسات الأكثر عرضة للخطر قبل أن تتحول الهفوات إلى أزمات اقتصادية مجتمعية مركبة تهز ثقة المواطن بالدولة".
وقال: إن أهمية تقارير الديوان تنبع من كونها" المصدر الرسمي والأكثر موضوعية" الذي يعكس الواقع المالي والإداري في القطاع العام، إذ تتضمن مؤشرات تكشف تكرار المخالفات، وضعف أنظمة الرقابة الداخلية، إلى جانب مؤشرات مالية مقلقة مثل تزايد العجز والمديونية، والاعتماد على المنح، وارتفاع الإنفاق الجاري، وهي جميعها تمثل إشارات يمكن البناء عليها لتحديد مستوى المخاطر في كل مؤسسة.
ويضيف أن آلية الاستفادة من هذه التقارير تبدأ برقمنة التقارير السنوية وتحويلها من وثائق تقليدية إلى قاعدة بيانات موحدة وقابلة للتحليل، بحيث تصنف الملاحظات وفقا للمؤسسة، ونوع المخالفة، وقيمتها المالية، وسنة وقوعها، ومدى تكرارها، بما يتيح بناء مؤشر للمخاطر المالية يمنح أوزانا متفاوتة للمخالفات بحسب خطورتها، ويفرز المؤسسات وفقا لمستوى تعرضها للمخاطر.
وأوضح أن المرحلة التالية تتمثل في توظيف أدوات تحليل البيانات لاستخلاص الأنماط المتكررة والعلاقات بين المؤشرات المختلفة، عبر معرفة المؤسسات التي تتكرر فيها المخالفات ذاتها، ودراسة ارتباط العجز المالي بضعف الرقابة الداخلية، إضافة إلى اعتماد مؤشرات إنذار مبكر مثل التأخر في الرد على مذكرات الديوان واستيضاحاته، باعتبارها إشارات تستدعي التدخل قبل تفاقم الاختلالات.
وأكد أن تبني هذا النهج سيحدث تحولا في فلسفة العمل الرقابي، لينتقل من المحاسبة اللاحقة إلى الوقاية المسبقة، بما يحد من الخسائر المالية، ويرشد جهود الجهات الرقابية عبر توجيهها نحو المؤسسات الأعلى خطورة، إلى جانب دعم القرار الحكومي في إدارة المال العام.
وجدد تأكيده على أن" تقارير الديوان كنز غير مستثمر"، وأن رقمنتها وتحليلها وفق مؤشرات للمخاطر وأساليب إحصائية سيجعلها" بوصلة للدولة"، وينقل العمل الرقابي من الاكتفاء بشعار" لا حصانة لفاسد" إلى مرحلة أكثر فاعلية تقوم على مبدأ" لا منفذ لفساد".
أداة رقابية يمكن استثمارهاوحول إمكانية استثمار تقارير ديوان المحاسبة في استشراف المخاطر المالية، أكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق ماهر المدادحة، أن تقارير ديوان المحاسبة تمثل أداة رقابية يمكن استثمارها لرسم خريطة للمؤسسات الأكثر عرضة للمخاطر المالية قبل تفاقم الأزمات، إذ توفر مؤشرات واضحة على مكامن الخلل في إدارة المال العام ومستوى الالتزام بالأنظمة المالية داخل كل مؤسسة.
ويرى أن" تقارير ديوان المحاسبة تظهر المخاطر والاختلالات في التصرف بالمال العام لكل مؤسسة على حدة"، مضيفا أن ذلك يعود إلى خضوع الوزارات والمؤسسات الحكومية لعمليات رقابة وتدقيق مالي بصورة دورية ومستمرة، ما يتيح رصد المخالفات وتحليلها بشكل مبكر.
وبين أن آلية الاستفادة من هذه التقارير تبدأ بتحليل نتائج التدقيق وما تكشفه من أخطاء محاسبية ومالية، إلى جانب حالات الاختلاس أو سوء استخدام الأموال العامة، لافتا إلى أن" تكرار هذه المخالفات في أي مؤسسة يستدعي تحليل أسبابها وتنبيه إدارتها لضرورة العمل على معالجتها"، وهو ما يسهم في تحديد الجهات الأكثر عرضة للمخاطر المالية ووضعها ضمن أولويات المتابعة والرقابة.
ولفت إلى أن هذه المنهجية تقود إلى تبني مفهوم إدارة المخاطر داخل المؤسسات الحكومية، ولا سيما المخاطر المالية، من خلال بناء إستراتيجيات تستهدف تطوير القدرات البشرية والمؤسسية، وتعزيز أدوات الرقابة والسيطرة المالية داخل المؤسسة، بما يحد من تكرار المخالفات ويمنع تحولها إلى أزمات مالية.
وشدد على أن الاستثمار المنهجي في مخرجات تقارير ديوان المحاسبة لا يقتصر على توثيق المخالفات، بل يشكل قاعدة استباقية لدعم اتخاذ القرار، وتحسين إدارة المال العام، وترشيد استخدامه، وتعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية في التعامل مع المخاطر قبل وقوعها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك