العقبة- في وقت تتجه فيه أنظار قطاع النقل البحري مجددا إلى تداعيات الاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية العالمية، سجلت موانئ العقبة، خلال النصف الأول من العام الحالي، نشاطا استثنائيا في حركة الواردات وتجارة الترانزيت، مؤكدة مكانتها كبوابة الأردن التجارية ومحور لوجستي إقليمي يتمتع بالمرونة والكفاءة.
اضافة اعلانفبينما واجهت موانئ عديدة تحديات أثرت على انسيابية سلاسل الإمداد، واصل ميناء العقبة تعزيز أدائه، مستقبلا أكثر من 7 ملايين طن من البضائع، بزيادة تجاوزت 43 % مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، حسب تقرير حديث صادر عن نقابة ملاحة الأردن.
وبين التقرير أن هناك تحولات جذرية تشهدها حركة الملاحة البحرية في المسارات الدولية، وبوجه إستراتيجي جديد للخطوط الملاحية نحو تعزيز كفاءتها التشغيلية عبر استخدام سفن ذات أحجام عملاقة تتطلب بنية تحتية متطورة ومياها عميقة، وهو ما وفرته العقبة بامتياز.
وأكد الأمين العام لنقابة ملاحة الأردن، الكابتن محمد الدلابيح، أن قطاع الحاويات في ميناء العقبة سجل خلال النصف الأول من العام الحالي أداء إيجابيا، مدفوعا بنمو غير مسبوق في حركة الترانزيت، ما يعزز مكانة الميناء كمركز لوجستي إقليمي.
وأوضح أن عدد بواخر الحاويات انخفض بنسبة 3.
4 % نتيجة تشغيل سفن أكبر وأكثر كفاءة، فيما ارتفعت الحاويات الواردة بنسبة 4.
2 % إلى 245,461 حاوية، وسجلت حاويات الترانزيت نموا استثنائيا بلغ 155.
1 % لتصل إلى 60,178 حاوية، مدفوعة بزيادة الحركة المتجهة إلى العراق وسورية وفلسطين ودول الخليج، إضافة إلى ارتفاع حاويات الترانزيت المبردة بنسبة 499 %.
وأضاف الدلابيح، أن إجمالي مناولة الحاويات ارتفع أيضا بنسبة 1 % ليبلغ 472,679 حاوية نمطية، في مؤشر يعكس قدرة ميناء العقبة على استقطاب حركة التجارة الإقليمية، مدعوما بالتحولات في مسارات الخطوط الملاحية والازدحام التشغيلي الذي شهده ميناء جدة الإسلامي.
وبحسب عاملين في القطاع البحري والمينائي، فإن هذا الارتفاع جاء مدعوما بزيادة ملحوظة في حركة البضائع العامة والمركبات، ليعكس هذا الأداء مرونة في التعامل مع متطلبات السوق العالمي المتغيرة باستمرار، فضلا عن قدرة الميناء على استيعاب الحمولات الضخمة وتفريغها في أوقات قياسية، مما يقلل من كلف الشحن ويزيد من جاذبية العقبة كوجهة مفضلة لكبريات شركات الملاحة العالمية، التي باتت تنظر إلى الميناء الأردني كشريك استراتيجي موثوق في منطقة الشرق الأوسط.
ومن وجهة نظر الخبير الاقتصادي واللوجستي الدكتور محمد العتوم، فإن الأرقام هي انعكاس مباشر لجهود وتخطيط مسبق استبق الأزمات العالمية، حيث نجح الميناء في استقطاب خطوط ملاحية جديدة كانت تبحث عن ملاذ آمن وفعال بعيدا عن بؤر التوتر الملاحي في المنطقة، لتصبح العقبة بذلك نقطة الارتكاز الأساسية لتدفق السلع نحو الأسواق المجاورة، وهو ما يفسر هذا النمو الهائل في حجم المناولة الذي تجاوز كل التوقعات، ليضع الاقتصاد الأردني أمام فرصة تاريخية لتعظيم إيراداته وتعزيز مكانته على خريطة التجارة العالمية بكل ثقة واقتدار.
وبالوصول إلى المراجع الجغرافية والبيانات الإحصائية الدقيقة، يتضح أن ميناء العقبة نجح في ترسيخ مكانته كمركز لوجستي إقليمي حيوي لا غنى عنه، خاصة في ظل التنامي المطرد لحركة حاويات الترانزيت التي سجلت مستويات قياسية بنمو فاق 150 %، وهو رقم يعكس تحولا إستراتيجيا في مسارات التجارة الإقليمية، إذ أوضح المختصون في شؤون النقل البحري أن الازدحام الخانق الذي شهدته موانئ إقليمية مجاورة دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة رسم مساراتها واعتماد العقبة كوجهة مفضلة ورئيسية لخدمة الأسواق المجاورة المتعطشة للبضائع، بما فيها أسواق العراق وسورية وفلسطين، ليكون الميناء الأردني بمثابة الرئة التي تتنفس منها هذه الدول اقتصاديا وتجاريا في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد.
ويبرهن النمو في حركة حاويات الترانزيت المبردة على أبعاد جديدة من الكفاءة التشغيلية، حيث أكدت نقابة الملاحة أن هذا الارتفاع القياسي يعكس قدرة القطاع البحري الأردني على تلبية الطلب المتزايد بكفاءة عالية جدا، لا سيما فيما يتعلق بالمواد الغذائية والدوائية التي تتطلب ظروف تخزين ونقل بالغة الدقة ومطابقة للمعايير العالمية الصارمة، مما يفتح آفاقا واسعة أمام الميناء لاستقطاب المزيد من الاستثمارات في مجال التبريد واللوجستيات المتخصصة، ويعزز من ثقة المجتمع التجاري الدولي بقدرة الأردن على حماية سلاسل التوريد الحساسة وضمان وصولها إلى وجهاتها النهائية بأعلى درجات الجودة والموثوقية.
وفيما يتعلق بالأداء المتباين للبضائع الإستراتيجية والصادرات، فقد أظهرت مؤشرات التجارة عبر الميناء ديناميكية متغيرة في أداء السلع الأساسية تعكس التحولات في أنماط الاستهلاك والإنتاج الإقليمي؛ حيث سجلت واردات الحبوب الإستراتيجية، مثل الذرة والشعير، ارتفاعات كبيرة لتأمين المخزون الإستراتيجي الغذائي، بينما انخفضت واردات الحديد والكبريت بنسب متفاوتة، متأثرة بتباطؤ بعض المشاريع الإنشائية في المنطقة.
كما أظهرت المؤشرات أن قطاع المحروقات والزيوت المعدنية قد شهد نموا قويا تجاوز حاجز 30 %، مما يعكس تزايد احتياجات السوقين المحلي والإقليمي للطاقة في ظل مساعي الدول لتعزيز أمنها في مجال الطاقة وتلبية متطلبات القطاعات الصناعية والخدمية المتنامية، في حين قفز استيراد السيارات بنحو 82 %، كنتيجة مباشرة لتبسيط الإجراءات الجمركية وتوسيع ساحات التخزين وتوظيف أحدث التقنيات التكنولوجية في إدارة الحاويات والمركبات، مما يضع الميناء في صدارة الموانئ النشطة في المنطقة والرائدة في التعامل مع هذا النوع من البضائع ذات القيمة المضافة العالية، ويجعل من العقبة مركزا إقليميا رئيسيا لتجارة السيارات وقطع الغيار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وبينت نقابة ملاحة الأردن أن قطاع النقل البحري الأردني أثبت مرونة في التكيف مع الاضطرابات الجيوسياسية التي طالت مضيق هرمز وممرات ملاحية حيوية أخرى حول العالم، مما عزز بشكل منقطع النظير تنافسية الميناء على الخريطة الدولية، وجعله الخيار البديل والأكثر أمانا للعديد من الخطوط الملاحية التي تسعى لتجنب المخاطر الأمنية وتأخيرات الشحن، حيث تضافرت جهود المؤسسات الوطنية كافة لخلق بيئة تشغيلية آمنة ومستقرة تضمن استمرارية تدفق البضائع من دون أي انقطاع، وتؤكد للعالم أجمع أن الأردن يمتلك من الكفاءات والقدرات ما يؤهله لإدارة الأزمات باحترافية عالية.
وتعمل الجهات المينائية بشكل مستمر، وبالتعاون مع الجهات الحكومية والخاصة كافة، على تحسين العمليات التشغيلية وتذليل جميع العقبات البيروقراطية أمام شركات الملاحة، لضمان استدامة تدفق البضائع وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويرى أستاذ الإدارة العامة الدكتور محمد المعايطة، أن هذا النمو المتسارع يحمل في طياته رسائل قوية للمستثمرين الدوليين، مفادها بأن بيئة الأعمال في العقبة تتمتع باستقرار تشريعي وبنية تحتية صلبة قادرة على استيعاب أضخم المشاريع اللوجستية، مؤكدا أن هذا المشهد الاقتصادي في العقبة يمتد ليشكل شريانا حيويا يغذي شرايين الاقتصاد العربي بأسره، حيث إن تكامل الميناء مع شبكات الطرق البرية الحديثة التي تربط الأردن بدول الجوار يسهم في تقليص الزمن اللازم لوصول البضائع إلى مستهلكيها النهائيين، مما يقلل من التكاليف التشغيلية ويخفض معدلات التضخم المستوردة، ليلعب الأردن بذلك دورا محوريا في تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي للمنطقة العربية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك