أربك مشروع قانون الضمان الاجتماعي الجديد في الأردن الكثير من المشتركين الذين بنوا خطط حياتهم المستقبلية على القانون الحالي، والذي قد يؤدي تطبيقه إلى الإخلال بالحماية الاجتماعية التي كان يأمل كثير من المشتركين الحصول عليها بعد تقاعدهم وينسف خططهم المستقبلية، خاصة مع زيادة سنوات الخدمة خمس سنوات، وزيادة عدد الاشتراكات.
وأقرّ مجلس الوزراء الأردني، أمس الثلاثاء، الأسباب الموجبة لمشروع قانون معدِّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تعزيز استدامة النظام التأميني وتطوير الحوكمة داخل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلى جانب توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتحقيق توازن أفضل بين حقوق المؤمن عليهم والاستقرار المالي للمؤسسة.
وأضافت يهدف مشروع القانون إلى إعادة هيكلة مؤسسة الضمان، من خلال تعيين محافظ للمؤسسة بقرار من مجلس الوزراء، مع تحديد واضح لصلاحياته ومهامه، وهو ما يعني عدم ترؤس وزير في الحكومة مجلس إدارة المؤسسة مستقبلا.
يتضمن المشروع تغير شروط التقاعد، بحيث يصبح التقاعد الوجوبي هو الأساس والتقاعد المبكر استثناءً.
ويتضمن المشروع تغير شروط التقاعد، بحيث يصبح التقاعد الوجوبي هو الأساس والتقاعد المبكر استثناءً، بهدف دعم استدامة النظام التأميني، وتنص التعديلات على أن كل من استوفى شروط التقاعد المبكر قبل الأول من يناير/كانون الثاني 2027 يحق له التقاعد متى شاء حتى بعد نفاذ القانون، فيما يحق لمن استوفى شروط تقاعد الشيخوخة بإكمال سن 60 عاماً للذكور و55 عاماً للإناث، مع 180 اشتراكاً قبل الأول من يناير/كانون الثاني 2028، التقاعد وفق أحكام القانون الحالي.
وبموجب التعديلات، يرتفع عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً بغض النظر عن عمر المؤمن عليه، كما سيرتفع عدد الاشتراكات اللازمة لتقاعد الشيخوخة إلى 240 اشتراكاً بدلاً من 180 اعتباراً من الأول يناير/كانون الثاني 2028.
ويتضمن المشروع اعتماد نهج التدرج في رفع سن التقاعد بواقع ستة أشهر سنوياً ابتداءً من عام 2028، ليصل الحد الأقصى إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث.
مشروع الضمان الاجتماعي يشمل فئات جديدة.
ويركز المشروع أيضاً على شمول فئات جديدة تتناسب مع أنماط العمل الحديثة، وتنظيم الانتساب الاختياري.
وتشمل التعديلات تخصيص ما لا يزيد عن 1% من فائض اشتراكات تأمين إصابات العمل السنوية لإنشاء برامج متخصصة في السلامة والصحة المهنية، إضافة إلى توسيع حقوق المؤمن عليهم المصابين، إذ أصبح بإمكانهم تقديم طلب" الانتكاسة" خلال سنتين من استقرار حالتهم الصحية بدلاً من سنة، مع إمكانية إعادة تقييم نسبة العجز والحاجة للعلاج.
كما أُتيح للعاملين في القطاع الخاص طلب العرض على اللجان الطبية أثناء وجودهم على رأس عملهم لتحديد مدى انطباق العجز الكلي أو الجزئي.
كما جرى تحديد سن التقاعد المبكر للعاملين في المهن الخطرة بـ50 عاماً مع 300 اشتراك، منها 120 اشتراكاً على الأقل في المهن الخطرة ضمن آخر 132 اشتراكاً، مع الحفاظ على حقوق من استوفوا الشروط قبل 2027.
ويتيح المشروع للأردنيين الذين لا تنطبق عليهم شروط التقاعد الحصول على تعويض الدفعة الواحدة، بينما يحق للعمال غير الأردنيين طلب التعويض سواء استوفوا شروط التقاعد أم لا.
كما شددت التعديلات العقوبات على من يقدم بيانات غير صحيحة للحصول على منافع دون وجه حق، بغرامة تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دينار.
وأبدى مدير بيت العمال للدراسات المحامي حمادة أبو نجمة، في تصريحات لـ" العربي الجديد"، جملة من الملاحظات والتحفظات على المشروع، مؤكداً أن الاستدامة المالية لا تتحقق فقط عبر تشديد شروط التقاعد، بل تتطلب إصلاحاً شاملاً يشمل سوق العمل وجودة الاشتراكات ومكافحة التهرب التأميني وضبط النفقات وتعزيز الشفافية.
وأشار إلى أن نتائج الدراسة الاكتوارية التي استندت إليها التعديلات لم تُنشر حتى الآن، ما يحول دون تمكين الخبراء والرأي العام من الاطلاع على الفرضيات التي بنيت عليها القرارات، مؤكداً أن أي تعديل واسع الأثر على شروط التقاعد وعدد الاشتراكات يجب أن يستند إلى بيانات واضحة حول انعكاساته المالية طويلة المدى.
كما أثار أبو نجمة تساؤلات حول سرعة إقرار مسودة التعديل، حيث جرى اعتمادها بعد وقت قصير من إعلان نتائج الحوار الذي أجراه المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ما قد يشير إلى عدم مراعاة نتائج الحوار بصورة كافية أو عدم إتاحة الوقت اللازم لدراسة التعديلات بشكل معمق، خاصة أن مجلس إدارة المؤسسة يضم ممثلين عن العمال وأصحاب العمل والحكومة.
مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تعديل شروط الاستحقاق، بل يجب أن يحقق توازناً بين الاستدامة المالية وجودة الحماية الاجتماعية، محذراً من نقل عبء الإصلاح إلى المؤمن عليهم.
وشدد على ضرورة الحد من إنهاء الخدمات المبكر في القطاعين العام والخاص، لما له من دور في دفع العاملين قسراً نحو التقاعد المبكر وزيادة أعباء النظام التأميني.
كما دعا إلى توسيع الشمول التأميني بصورة فعلية، خصوصاً في القطاعات التي لا تزال خارج مظلة الضمان رغم أنها تمثل نحو نصف العاملين، إضافة إلى العمالة الوافدة التي لا تتجاوز نسبة شمولها 15%.
ولفت إلى وجود فجوة متزايدة بين نمو أعداد المشتركين ونمو أعداد المتقاعدين، حيث تبلغ نسبة نمو المشتركين نحو 3% مقابل 7–8% للمتقاعدين، وهي فجوة لا يمكن معالجتها فقط برفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات، بل تتطلب سياسات نشطة لتعزيز الاستقرار الوظيفي وزيادة الشمول التأميني.
وقالت مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ليندا كلش، لـ" العربي الجديد: " تؤدي التعديلات المستمرة على قانون العمل إلى عدم استقرار تشريعي"، مشيرة إلى أن مشروع القانون يُحمِّل المشتركين أخطاء الحكومات وإدارات الضمان السابقة، وأن ما يحدث هو إخلال بخطط الناس لحياتهم المستقبلية.
وأضافت أن كثيراً من الأردنيين والمشتركين وضعوا خططاً لحياتهم بعد التقاعد المبكر أو عند بلوغ الشيخوخة، لكن هذا المشروع نسف خططهم المستقبلية.
وتوقعت أن تتجه أغلبية السيدات إلى سحب مدخرات الضمان والخروج من هذه المنظومة التأمينية، مما سينعكس سلباً بشكل كبير على أموال الضمان، ويُفقد كثيراً من السيدات الحماية الاجتماعية مستقبلاً إذا انسحبن منه، خاصة أن الكثيرين قد يرون أن تعويض الدفعة الواحدة هو الخيار الأفضل لهم في حال رفع سن التقاعد خمس سنوات.
ورأت أن المشروع أُعدّ بطريقة خاطئة، وأنه لا ينبغي تطبيقه على المشتركين الحاليين بأثر رجعي على الأقل، مشيرة إلى أن هذا القانون سيضعف الحماية الاجتماعية بدلاً من توسيعها، ولا يتضمن فوائد تأمينية حقيقية تنعكس على التأمينات التي يحصل عليها المشتركون.
وأضافت أن هذه التعديلات تأتي في ظل الاقتطاع المرتفع من الراتب، الذي يصل إلى 21% من رواتب الموظفين (العمال وأصحاب العمل)، متسائلة: ما الفائدة التي سيجنيها المشترك، خاصة في ظل التقاعد المبكر الذي يكون راتبه فيه نصف راتب الموظف أثناء عمله.
وتساءلت كلش عما إذا كان هناك تشاور حقيقي مع النقابات ومؤسسات المجتمع المدني وكل ممثلي العمال، قبل إقرار مشروع القانون من الحكومة.
قالت إنه عند وضع أي قانون يجب النظر إلى أوضاع البلاد بشكل عام، فاليوم هناك نسبة بطالة مرتفعة، وأشخاص يقضون سنوات طويلة بلا عمل، وهؤلاء سيفتقدون الحماية الاجتماعية.
وتوقعت، بعد التعديلات، انسحاب الكثير من المشتركين اختيارياً من الضمان الاجتماعي، مضيفة أن عدم الاستقرار التشريعي مشكلة كبرى في الأردن، كما أن هذه الإشكالية تؤثر سلباً على الاستثمار في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك