انتشر في بعض بلاد الغرب من شغلهم الشاغل الإساءة إلى المملكة المغربية فيما يبثونه انطلاقا من مواقع إلكترونية، أغلبها موبوء بميزانيات أصبح مكشوفا من يدفعها، وأيضا الأهداف من محاولة إبرازها كفعل واقع لمعارضين، أحيانا افتراضيين، لما يحاك ضد الشعب المغربي من مؤامرات لتنغيص حياته من لدن عناصر نافذة في مؤسسات الدولة، ومنها أجهزة أمنية على أعلى مستوى.
طبعا هناك متابعة مستمرة لكل ما يذاع، لكنه متروك لتمييع نفسه بنفسه، ومواجهته عمليا بعكس ما يطمح إليه من يطبل خدمة لأشخاص، مهما حاولوا البوح ببعض المعلومات يظلون، دون انتباه، تحت مجهر يبين دقة ميكروب ما ينثرونه من سموم، قد تتخذ ذريعة لذوبان قادم كخطة مؤسسة على استمرار الأحوال المعهودة بأسلوب قد يظهر تطهير بعض المجالات المرتبطة بالتدبير العام لشؤون الدولة.
ذلك التطهير الشامل، بأسماء معينة مرشحة لتكون أكباش فداء، إنقاذا لنهاية مرحلة، من الضروري وحتما أن تعيد المياه إلى مجاريها بأقل خسارة، وانتقال سلس إلى توقيت يترك نفس الساعات وأمور الإصلاح المرتقب يقطعها دون حاجة إلى سرعة إضافية، ريثما تستقيم نفس السياسة العمومية، وتنفذ تحت إمرة وجوه جديدة وهي على نفس المبادئ مهيأة مسبقا، مما يعطي انطباعا أن المملكة المغربية مستمرة كما كانت، ولو عاشت العصر الآني بكيفية مغايرة لتحدياته.
وإلى هنا نصل إلى خلاصة نقذف بها لعقول هؤلاء المنشغلين بنشر الإساءة للتأثير، حسب ظنهم، على المملكة المغربية كدولة بما هو سلبي؛ دولة قوامها أن ماضيها حاضرها لمستقبل لا تغيير يتخلله، لأسباب قد يطول شرحها، لكنها تبقى ضرورية ما دام هناك من يقلل من ذكاء المغاربة ويزعم قدرته على تحريك اتجاهاتهم ببعض معلومات عن أشخاص معينين، هم أنفسهم رواد اللعبة الكفيلة بسلوك أيسر الطرق لإنجاز ما أدركت الدولة أوان تغييرهم، مع الحفاظ بحق على محاكمة الجميع من طرف الجميع.
وهيهات أن يفهم هؤلاء أنهم حلفاء خسارة كبرى قد تجردهم من هويتهم، ثقيلة كانت، ليصبحوا في مهب رياح الضياع أخف من أي خفيف.
أما الحقيقة المؤكدة فلا أحد من الكبار متروك لهواه، بمخالب حاول تمييز نفسه باكتسابها، يهدد بها عبر وسطاء صناع كلام مدربين على خوض معارك افتراءات، آخرها سقوط في هاوية لا قعر لها، مقابل مبالغ لا تساوي فقدان الصواب في مواجهة أكاذيب سبق ترويجها من طرفهم، حقائق لا تتقن معرفتها سوى الدولة بما لها من مبدعين حينما تطلب منهم التحرك لتغيير ما يلزم تغييره.
ولهم في الدرس المفيد للغاية، الذي أفرزته نكبة القصر الكبير، لو تمعنوا في مجرياته من البداية إلى آخر مرحلة قبل النهاية، لمزقوا كل اتفاقيات مع من يستغلونهم، وسبحوا في بحر التخلص من أوساخ لتنظيف ذواتهم بالكامل، والعودة لتشغيل ما قد يساهمون في تشغيله كمواطنين عاديين أوفياء لوطنهم.
نكبة القصر الكبير لم تكن عبارة عن فيضانات وسد يخيف ساكنة مدينة لو انفجر، بل كانت نقمة جوهرها نعمة.
قدر مدينة القصر الكبير تصحيح ما يستوجب تصحيحه، ليس محليا وحسب بل على صعيد المملكة المغربية، لتغتنمها فرصة وتسعى بسرعة قياسية لإدراك مسك لجام فرس مرحلة دقيقة كاد أن ينحاز لمسلك الركود، فيه خطر عمن يحمل فوق ظهره من مسؤوليات جسام.
طالما لمحنا في كتاباتنا العديد في شأن ابتعاد الدولة عن الاهتمام بمثل المدينة الشريفة، مقر أحفاد شهداء معركة وادي المخازن المجيدة، ومقام أضرحة أولياء الله الصالحين، المعطرين أجواء المنطقة بطيب عبير التقوى، ومحطة تتوقف عندها حضارة سادت ولم تنقرض حتى الساعة؛ حضارة إنسانية تضيف لمعرفة التعامل بالمبادئ النبيلة معارف أخرى متكيفة تكون مع أي مرحلة بالتي هي أقوم.
ولم تكن الدولة منذ الأعوام الأولى للاستقلال مضبوطة على نفس وتيرة الاهتمام كشقيقاتها مدن الرباط وفاس ومراكش.
ومع ذلك ظلت القصر الكبير صامدة ما أمكن لها حفاظا على ذاتها من شوائب التهميش، منتجة ما مكنها من العيش بالكرامة المعهودة، غير عابئة بإقصاء حكومي مثل الحافز الأوحد للاعتماد على النفس بإصرار ملفت للنظر دام لسنوات، ومن غير الرضوخ لأي إجراء مبتغاه المطالبة بحقوق المدينة وسكانها المشروعة.
ومهما امتطى البعض موجة ظرف غير طبيعي مرت به المدينة، أحيانا أذاقها مرارة الحرمان، حيث أسند التسيير المحلي لغير المؤهلين بنية خدمة مصالح سلطة إقليمية سيئة الذكر، بالرغم من ذلك لم تغير المدينة مراميها القائمة على الصبر الجميل وانتظار سنة التغيير المؤمنة بوفودها آجلا أو عاجلا.
إلى أن حلت النكبة الطبيعية وزحفت الفيضانات المهولة، وهذه المرة بكيفية مختلفة عن سابقاتها، شراستها راغبة في بسط أضرارها بما لا يبقي شبرا من مساحة المدينة دون تعرض لما يؤدي إلى إتلاف حقيقي لمحتويات الطوابق السفلى لكل المنازل، وقد يتطور ارتفاع المنسوب المائي إلى ما هو أسوأ على الجميع، بشرا كان أو جمادا.
وهنا برز دور الدولة في تحمل ما كان المفروض تحمله منذ سنوات، لكن ما جرى والكيفية التي بها جرى برهنا على قيام الدولة بالواجب مع مدينة تستحق النجدة، بتصريف كل الطاقات البشرية الحكومية الرسمية، المحلية والوطنية، معززة بكل الآليات الضرورية لإنقاذ مدينة مهددة بالغرق الشامل وتشرد سكانها تشردا لم تكن في البال خطورة وقعه المدمر.
وهنا يبدأ تاريخ عناية الدولة بهذه المدينة الشريفة، أو تحديدا منذ حضور عامل الإقليم، تاركا مركز إدارته بمدينة العرائش، ليستقر بالقصر الكبير عن حدس ألزمه القيام بذلك، معبرا عن قيام مسؤول بواجبه بإخلاص ووفاء ووطنية عالية وضمير حي وعقل مدبر يسبق الأحداث ويساير ما يمكن معالجة وضعيات مخلفاتها من إمكانات مناسبة وكافية أولا بأول.
لأول مرة تشهد مدينة القصر الكبير منذ عقود عاملا للإقليم مندمجا مع متطلبات آلاف المواطنين، ملبيا على الفور نداءهم ضمن أرضية يشملها نفوذه الإداري، بل يحضر كل الأطر التابعة لإدارته الترابية للمشاركة الفعلية في التخفيف من مصائب الواقعة الأليمة، ناقلا لرئيسه وزير الداخلية بكل دقة ما قد تتعرض له مدينة في مجملها من عواقب وخيمة إن لم تسخر كل الطاقات المتوفرة لدى الدولة لمواجهتها في الوقت المناسب.
ليصل الخبر اليقين إلى عاهل البلاد فيأمر الجيش بالتدخل الفوري وبأقصى جهد حفاظا على أرواح آلاف المواطنين وأملاكهم.
ومع وصول تلك القوة وما اصطحبته معها، على وجه السرعة، من آليات مخصصة لمثل الوقائع، بتنسيق محكم مع الدرك الملكي والقوات المساعدة والأمن الوطني والوقاية المدنية، شرع في إجلاء ما يقارب 120 ألف نسمة خلال ساعات بنظام وانتظام، وتوجيههم صوب مدن العرائش وأصيلا وطنجة وتطوان والفنيدق ومرتيل عبر وسائل نقل مجانية، ليستقر من استقر في مراكز إيواء متوفرة على كل الضروريات، ومنها الأكل والعناية الصحية.
مجهود خرافي حصل بطله الدولة، التي برهنت للعالم أنها دولة بمعنى الكلمة، بجيش عظيم في حالة الحرب إن فرضت عليه دفاعا عن حوزة الوطن ووحدته الترابية بما يحقق له الانتصار، وأثناء السلم كانت نكبة القصر الكبير أنسب دليل على عظمته وسمو أخلاقه وكفاءته، الجاعلة منه مفخرة المملكة المغربية ورمزا من رموز سيادتها المشبعة بالعزة والمجد.
هناك من حاول القفز فوق موجة الحدث المؤسف من صيادي المناسبات لبث إشهاراتهم الانتخابية، ويتظاهرون أنهم داخل المعمعة مع المواطنين، وكأنهم مدبرو عمليات الإنقاذ.
هؤلاء تنتظرهم المفاجأة شهر شتنبر المقبل، قد تعيدهم إلى حجمهم الطبيعي، مكتفين بما حققوه لأنفسهم بدل مواجهتهم بما تم بين الدولة والقصر الكبير من تصالح أساسه تركها تختار مجلسها المحلي من تريد بحرية ونزاهة.
قد يكون من قصدناهم سابقا من مروجي ما يظنونه إساءة للمملكة المغربية من خلال مواقع إلكترونية قائمة في بعض البلاد الغربية قد فهموا من درس القصر الكبير أن المغرب ليس كما يروجونه، بل إن ما لا يعلمونه عن قيمته وقدرته وإمكاناته يجعله يغير وفق قواعد قائمة على تطوير الموجود بتمكين الوجوه الجديدة من تدبير شؤون الاستمرار على نفس النهج دون زيادة أو نقصان.
وليعلموا أن مشغليهم آنيا يخفون عليهم حقيقة أمرهم وسط لعبة تظهر بكيفية بشعة من ضمتهم قوائم أكباش فداء، من كبرت مخالبهم واستحقوا قطعها بطريقة ذكية جدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك