في الموسم الرمضاني الماضي، استمرّ تصوير المسلسلات حين سقط النظام في سورية، وكانت النصوص مكتوبةً وناجزةً بالطبع.
أمّا في الموسم الرمضاني الحالي، فقد أصبح ممكناً الحديث عن دراما ما بعد سقوط النظام، إذ كُتِبَت خلال السنة الأخيرة عدة نصوص تتناول عقود حكم نظام الأسدين الطويلة، وهو ما سيستمرّ سنواتٍ.
أحد أبرز هذه الأعمال مسلسل" الخروج إلى البئر" (سيناريو وحوار سامر رضوان، إخراج محمد لطفي)، الذي تدور أحداث حلقاته الأولى بين عامي 2005 و2008، ويُشكِّل سجن صيدنايا سيّئ السمعة مسرحاً للجزء الأكثر سخونةً ودراماتيكيّةً منها.
والحديث هنا عن توثيقٍ لأحداث وقعت، وليس تخييلاً لأحداثٍ تُسقَط على الواقع، وهو توثيق ضروري لإلقاء الضوء على حقبةٍ مظلمةٍ أُرِيد لها أن تبقى بعيدةً عن معرفة الناس وإدراكهم، إخفاءً لجرائمها وعقلية مرتكبيها.
يعرف السوريون عن تلك الحقبة القريبة الكثير، أمّا مشاهدو مسلسل" الخروج إلى البئر" من غير السوريين فأقلّ معرفة بحقيقة تعامل النظام السابق مع من يقعون تحت نيره، والمسلسل يخاطبهم هنا.
لكن، ما هي درجة الصعوبة، وبالتالي درجة المصداقيّة، في نقل ذلك وتوثيقه؟ هناك الكثير من ذلك" التعامل" ممّا لا يمكن إيراده على شاشة التلفزيون؛ ليس فقط الأنواع الفظيعة من التعنيف الجسدي، بدءاً باستقبال النزلاء الجدد في ما كان يُسمّى بـ" حفلات الترحيب"، والتي تهدف إلى كسر إرادتهم ونفوسهم منذ اللحظات الأولى، ولكن بالأكثر التعنيف اللفظي لأنّه أسهل استخداماً، وذو أثرٍ سلبيٍّ فاعل؛ لذلك كان من بين المطالب الأولى للمعتقلين، بعد تنفيذ الاستعصاء في عام 2008، التوقّف عن سبّ الذات الإلهيّة.
إذاً، يشمل التوثيق الاستعصاء الشهير، الذي سيطر من خلاله المعتقلون على أقسام من السجن، وفرضوا على سلطات البلاد التفاوض وحصّلوا بعض المطالب، مستفيدين من وقوعه قبل أيام قليلة من استضافة دمشق مؤتمر القمة العربية، وبالتالي حاجتها إلى التهدئة ولملمة الفضيحة قبل أن تنتشر بحضور الزعماء العرب.
تساعدنا عملية التفاوض بين السجناء والسلطة في" الخروج إلى البئر" في فهم التيارات التي ينتمي إليها المعتقلون، من خلال خلافات نشبت بينهم بخصوص المطالب التي يجب تحصيلها، وحدود التنازلات التي يجب تقديمها: هناك العلمانيون، وهناك" الكفرة والمرتدّون"، بحسب تعبير الشيخ قاعدي الهوى أبو عبد الله (قاسم ملحو)، الذي لديه مشكلةٌ كذلك مع غيره من الإسلاميين، مثل أبو عبيدة (نضال نجم) الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهناك الحالة الخاصة التي يُمثّلها سلطان الغالب (جمال سليمان)، الذي تولّى مسؤولية التحدّث باسم المعتقلين.
يلفت الرجل الهادئ والعقلاني نظر اللواء ناصيف بدران (عبد الحكيم قطيفان)، الذي كلّفته الرئاسة السورية بالتفاوض مع المعتقلين، فيطلب كل المعلومات المتعلّقة به.
كان الغالب ضابطاً في الجيش السوري، فُصل منه بسبب شبهاتٍ حول علاقته بتنظيمٍ قومي عربي مناهض لحزب البعث.
اشتغل بالتجارة والمقاولات بعد تسريحه، وحقق أرباحاً كبيرة وصار غنياً.
لكنّه مع بداية الغزو الأميركي للعراق، قرّر الذهاب للقتال هناك، بدافعٍ قومي عربي وليس إسلامياً، مستفيداً من خبرته العسكريّة السابقة خلال عمله في كتيبة الهندسة، قبل أن يُلقي النظام السوري القبض عليه في مستشفى في مدينة البوكمال الحدوديّة مع العراق، إثر إصابته بغارة أميركيّة.
يعرض اللواء بدران على الغالب تحريره من المعتقل وإرساله إلى العراق، لإقامة صِلات مع معارفه السابقة من المقاتلين الإسلاميين، الذي أصبحوا بعد سنواتٍ من تعاونه معهم يشغلون رأس هرم القيادة في التنظيمات الجهادية، ما يفتح الحكاية أمام احتمالاتٍ غنيّة في الحلقات المقبلة.
هذه أيضاً من الترتيبات التي كان النظام السابق يلجأ إليها للتشويش على الأميركيين وكسب أوراقٍ للتفاوض معهم وتحصيل مكاسب، إذ كان يُرسل عملاء له لعقد صِلاتٍ مع مقاتلين إسلاميين مطلوبين، فيمدّهم بوسائل قتال الأميركيين أو بالعناصر المقاتلة، ويُسلّمهم لهم متى حصّل منهم مقابلاً مُجزياً.
ولأنّ الواقع يُحدّد الفن، خصوصاً حين تُمثَّل وقائع سمع بها الناس أو قرأوا عنها ففقدت دهشة حدوثها، لا بُدّ من خط ثانٍ في الحكاية يُحرِّك ثقل الأحداث المحدودة بجدران معتقل.
يجري الخط الثاني من خلال تتبّع أحوال أفراد عائلة سلطان الغالب، ومن خلال ما جرى مع ابنه الكبير فراس تحديداً.
تتراجع أحوال العائلة الماديّة، بسبب استيلاء شريك أبو فراس على حصّته في الشركة، وانعدام إمكانيّة توفيته رسميّاً في السجلات بسبب عدم وجود جثّة، بعدما أتى خبر وفاته في الغارة الجوية نفسها، وبالتالي عدم قدرة ورثته على التصرّف بممتلكاته، يُضطر فراس (مصطفى سعد الدين) إلى ترك دراسته الجامعية والعمل على شاحنة نقلٍ اشتراها.
يُفاجأ، في أحد الأيّام، بينما يُنزل صناديق حمولته، بشابّةٍ تختبئ بينها طالبةً حمايته (جفرا يونس)، فيضطرّ إلى نقلها إلى غرفته في بيت العائلة الذي يسكنه جميع أفرادها، بمن فيهم شقيقه الأصغر فهد (خالد شباط)، ذو الميول الإسلامية المتشدّدة الذي يُمارس رقابته الدينيّة وتسلّطه على أخيه الكبير، وعلى أمّه أيضاً، وعلى زوجته بالطبع، ما يُدخل الأحداث في تعقيد يُفاقمه بحث عائلة الشابّة المتزوّجة عنها، والتي تبيّن أنّها هربت من خيانة زوجها ومعاملته القاسية، ومن قسوة أبيها الذي لا تريد العودة إلى بيته.
يمكن تسجيل ملاحظات بعد مشاهدة الحلقات الأولى من المسلسل.
أولاها تتصل بموسيقى الشارة التي وضعها رعد خلف؛ إذ جاءت بإيقاعٍ قريب من المارشات العسكرية، ما منحها طابعاً مباشراً وربما صاخباً أكثر مما يحتمله سياق العمل الدرامي.
الثانية تتعلق بخيار عدم التصوير في دمشق.
صحيح أنّ هناك اعتبارات إنتاجية ولوجستية قد تفرض حلولاً بديلة، إلا أنّ الاكتفاء بلقطات عامة وجوية للعاصمة السورية أو بعناصر بصرية دالّة لا يعوّض تماماً حضور المكان الحقيقي بكل طبقاته وتفاصيله، خصوصاً في عمل يرتبط بذاكرة مدينة وتجربة تاريخية حساسة.
أما الملاحظة الثالثة؛ فتخصّ اختيار بعض الممثلين غير السوريين لأداء شخصيات سورية.
لا يتعلق الأمر بموقف إقصائي أو تقليل من كفاءة أي ممثل، فالمعيار في النهاية هو الأداء الفني، غير أنّ الحفاظ على إتقان لهجة محلية دقيقة طوال العمل يظل تحدياً تقنياً، وقد يؤثر أحياناً في درجة الإقناع الدرامي لدى المشاهد المتابع للتفاصيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك