والسؤال الذي ينبغي طرحه حول العمليات العسكرية، والضربات التي انطلقت اليوم بمشاركة من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران: هل بدأت الولايات المتحدة ضربتها؟ ! أم أن الضربة الأولى جاءت من الكيان الصهيوني في محاولة لحرث الأرض أمام الأمريكان؟ وربما أيضًا كمحاولة لرد الاعتبار للكيان، والذي اضطر لوقف الحرب سابقًا، بسبب الضربات الصاروخية الموجعة التي أصابته وجعلته يقبل وقف إطلاق النار مرغمًا حتى لا تستمر الضربات التي فاجأته بقوتها وشدتها، ولم يقدر على صدها رغم كل الدفاعات التي يمتلكها.
وبينما تستمر تلك التساؤلات، وينتظر العالم ما ستسفر عنه الحشود الأمريكية في الخليج العربي، بل والمفاوضات أيضًا في جنيف، التي يبدو أنها انتهت بعد تلك الضربة، تدور معركة أخرى في المضمار الخلفي لإيران، صراع آخر بين دولتين، كان النزاع بينهما مختبئًا ثم اندلع فجأة، ليبدو منه أن هناك عاملًا خفيًا أسهم في إخراج النزاع في توقيت حرج، وكأنه مقصود بالعناية، لاستنزاف القوى الخلفية لإيران، والتي يمكن أن تكون بمثابة دعم لها في حال ساءت الأمور، في ظل الضربات العسكرية المرتقبة، إذ نشب فجأة نزاع عسكري بين باكستان وأفغانستان، إذ فاجأت باكستان العالم بضربات جوية استهدفت العاصمة الأفغانية كابول، بينما ردت أفغانستان أيضًا بعمليات عسكرية قامت بها قوات طالبان على الحدود الباكستانية الأفغانية.
والحقيقة من وجهة نظري أن الألاعيب الاستراتيجية التي تمارسها الولايات المتحدة والكيان، في محاولة" تأمين" الضربة العسكرية عبر إشعال الحرائق في الأبواب الخلفية، قد تنجح عسكريًا في عزل الخصم، لكنها اقتصاديًا ستشعل حريقًا عالميًا لن تستطيع أي" دفاعات" صده.
فالعالم اليوم مترابط لدرجة أن صاروخًا في الخليج أو على حدود كابول سيصيب جيوب المستهلكين في بكين ولندن ونيويورك على حد سواء، وأنه إذا ما قررت الولايات المتحدة أو" وكيلها" في المنطقة الاستمرار في تلك الحرب، فإن الاقتصاد لن يهتز اهتزازًا بسيطًا، بل سيكون هو الساحة التي سيشعر بنيرانها كل بيت في المنطقة المشتعلة وخارجها.
والحقيقة أيضًا أن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا، بل هو صمام أمان الطاقة العالمي، ففي حال استمرار المواجهة وتصاعدها ستقفز أسعار النفط بجنون، إذ تشير التوقعات إلى إمكان حدوث قفزة تاريخية لأسعار النفط قد تتجاوز حاجز 150 دولارًا للبرميل في حالة إغلاق مضيق هرمز، إذ قد يعني ذلك انقطاع خُمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما سيشل الصناعة في أوروبا وآسيا، كما سترتفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات خيالية، مما سيؤدي فورًا إلى غلاء فاحش في السلع المستوردة، بدءًا من الغذاء والمواد الأساسية، وصولًا إلى صناعات وإمدادات التكنولوجيا أيضًا.
يظن العملاق الهندي مثلًا أنه سيكون بمنأى عن تأثير تلك الحرب، خاصة لو كانت حربًا خاطفة كما يتردد، لكنه مع ذلك سيكون من ضمن الدول الآسيوية التي ستتألم بصمت، إذ إنه بينما تعد آسيا هي المستهلك الأول عالميًا للطلب على النفط، فإن تأثرها سيكون بمثابة زلزال اقتصادي، فالصين والهند تعتمدان بشكل شبه كلي على طاقة الخليج، وهو ما يعني أن أي توقف للإمدادات يعني تباطؤًا حادًا في نموهما، ولذلك ستضرر الهند بشدة، رغم احتمال وجود تطمينات حصل عليها رئيس الوزراء الهندي" مودي" في زيارته الأخيرة للكيان، لكن ما لا يمكن توقعه هو أن تمتد الحرب لفترة أطول، ووقتها ستجر تلك المعركة العالم نحو" كساد عظيم" جديد.
قد تظن باكستان أيضًا أنها بعيدة عن تأثيرات تلك الحرب، خاصة وهي منشغلة في النزاع الحدودي مع أفغانستان، والذي تجري أحداثه تزامنًا مع تلك الحرب الإقليمية، إذ ربما تظن إسلام آباد أنها قد تشكل لها خلاصًا من نظام الملالي بالجارة" إيران"، حيث جمعهما توترات قديمة بسبب قبائل" البلوشستان" التي تقطن المنطقة الحدودية بينهما وتسعى إلى الانفصال، لكن تداعيات تلك المعركة ستطال باكستان أيضًا، وقد تؤدي إلى انهيار مالي كامل في إسلام آباد، التي تعاني أصلًا من ديون خانقة، مما يحولها من دولة نووية إلى بؤرة عدم استقرار اقتصادي مخيفة أيضًا.
الطريف أن الكيان الصهيوني، والذي يعد طرفًا أصيلًا في تلك المعركة ضد طهران، فإنه برغم تفوقه التكنولوجي، فإن نزقه في الاندفاع نحو" رد الاعتبار" ستكون كلفته باهظة الثمن، إذ إنه حتى لو لم تستهدفه صواريخ" الملالي"، فإن مجرد شلل القطاع التقني، وتوقف الاستثمارات الأجنبية، وكلفة الصواريخ الدفاعية، ستضع ميزانيته تحت مقصلة العجز الذي يتوقع أن يكون باهظًا، كما ستواجه دول الجوار: العراق، تركيا، الأردن، ضغوطًا مزدوجة بسبب توقف طرق التجارة البرية، وربما حدوث موجات نزوح قد تفوق قدرتها على الاحتمال، مما سيؤدي إلى تآكل العملات المحلية وارتفاع التضخم لمستويات غير مسبوقة.
وأخيرًا، تظل هناك فرصة لتراجع الولايات المتحدة، حتى بعد الضربة، عن حرب شاملة، لتجنب أثر تلك التداعيات التي أشرت إليها، والتي ربما قد تتسبب، بسبب عناد الرئيس الأمريكي وإصراره على الاستمرار في هذه المغامرة، التي يدفعه إليها رئيس وزراء الكيان، بسبب الرغبة الملحة في رد الاعتبار، والتي من أجلها قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي المضي قدمًا في تشكيل ما أسماه بـ" المحور السداسي"، وهو تحالف إقليمي ودولي صممه رئيس وزراء الكيان الصهيوني خصيصًا لمواجهة ما يصفه بـ" المحاور الراديكالية".
هذا المحور الذي يضم بجانب الكيان الصهيوني، كمركز تكنولوجي وأمني للمحور، دولًا مثل الهند التي تلعب دورًا محوريًا كحليف استراتيجي للكيان الصهيوني، والذي اتضح من خلال زيارة مودي الأخيرة للكنيست، كما يضم دولًا عربية أشار إليها رئيس الوزراء دون تسميتها رسميًا، ودولًا إفريقية أيضًا، على رأسها إثيوبيا، وذلك لضمان السيطرة على ممرات البحر الأحمر، كما يضم اليونان وقبرص لتأمين جبهة البحر المتوسط الخلفية للكيان، وأيضًا أمن الطاقة من هناك، ويضم دولًا آسيوية أخرى لم يكشف عن هويتها بعد، وهو ما يظل في النهاية لعبًا بالنار قد يشعل صراعًا دوليًا، ربما يرتقي في لحظة ما إلى حرب عالمية شاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك