روسيا اليوم - الأمير عبد العزيز بن سلمان: 30 اتفاقية للتعاون بين روسيا والسعودية سيتم توقيعها في منتدى بطرسبورغ العربي الجديد - النصّ الحرفي للإعلان الأميركي حول وقف النار بين لبنان وإسرائيل قناة التليفزيون العربي - حزب الله يحسم قرار ه وخلاف لبناني حاد بشأن مسار المفاوضات الاتفاق مع إسرائيل Independent عربية - مقتل هنري يثير سجال "العنصرية ضد البيض" في بريطانيا روسيا اليوم - الإمارات تسلم روسيا مواطنين مطلوبين بنشرة دولية العربي الجديد - قاآني: انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مطلب أساسي للمقاومة روسيا اليوم - هنغاريا توافق على بدء مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي التلفزيون العربي - قاسم وصف المفاوضات بالعار.. كيف ينظر حزب الله لاتفاق وقف النار؟ العربي الجديد - مواجهات مقديشو قناة الغد - خارجية لبنان تدين استهداف قوات اليونيفيل بعد مقتل جندي صربي
عامة

الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام

Independent عربية
Independent عربية منذ 3 أشهر
3

ينطلق المفكر الفرنسي من فرضية مفادها أن الأيديولوجيات ليست عارضاً مرضياً يصيب الحياة السياسية، ولا مجرد قناع فكري للهيمنة الطبقية كما صورها التقليد الماركسي، بل هي بنية ملازمة لولادة المجتمعات الديمقر...

ملخص مرصد
يقدم المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه الجديد تحليلاً للأيديولوجيات كبنى ملازمة للديمقراطيات الحديثة، مستنداً إلى دراسة ماري دوغلاس حول تفكير المؤسسات، ويرى أن الأيديولوجيات تحل محل الدين كإطار تفسيري للعالم الاجتماعي، وأننا نعيش اليوم نهاية دورة نيوليبرالية وبداية بحث عن أفق جديد.
  • يقدم غوشيه الأيديولوجيات كـ"شبكة قراءة" شاملة ترتب فهم المجتمع لذاته
  • يستند الكتاب إلى دراسة ماري دوغلاس حول تفكير المؤسسات
  • يرى المؤلف أننا نعيش نهاية دورة نيوليبرالية وبداية بحث عن أفق جديد
من: مارسيل غوشيه أين: باريس

ينطلق المفكر الفرنسي من فرضية مفادها أن الأيديولوجيات ليست عارضاً مرضياً يصيب الحياة السياسية، ولا مجرد قناع فكري للهيمنة الطبقية كما صورها التقليد الماركسي، بل هي بنية ملازمة لولادة المجتمعات الديمقراطية الحديثة وتطورها، كاشفاً كيفية تشكلها داخل هذه الديمقراطيات كبديل وظيفي عن الدين، وكيفية إعادة النيوليبرالية منذ سبعينيات القرن الـ20 صياغة عميقة وخفية للمعايير السياسية والاجتماعية.

صدر الكتاب في باريس عن منشورات" ألبان ميشال" مفتتحاً سلسلة حملت اسم" أتيلييه دي بريزان" يشرف عليها غوشيه نفسه بالتعاون مع بينيديكت دولورم-مونتيني، ولعله يمثل محطة أساسية في مساره الفكري، هو الذي اشتهر بأعماله حول" الخروج من الدين" ونشأة الديمقراطية الحديثة، وهما في رأيه عمليتان حتميتان، ولو كان مسار بلوغهما أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.

يستلهم الكتاب الجديد الدراسة التي نشرتها عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية ماري دوغلاس (1921–2007) في ثمانينيات القرن الـ20 تحت عنوان" كيف تفكر المؤسسات" والتي صاغت فيها نقداً لنظرية الاختيار العقلاني انطلاقاً من منظور الأنثروبولوجيا الاجتماعية، مستندة إلى مقاربة وظيفية-بنيوية استرشدت بأبحاث إميل دوركهايم ولودوفيغ فليك.

وقد انصرفت دوغلاس في هذه الدراسة إلى تفسير ظاهرة التعاون البشري وتحليل الكيفية التي تؤدي بها المؤسسات دوراً حاسماً في تشكيل أنماط التفكير التي تدعم هذا التعاون وتؤطره، ساعية إلى تبيان أن التنظيمات الاجتماعية، وإن لم تكن كيانات واعية بذاتها، فإنها تمارس شكلاً من أشكال التفكير عبر الفاعلين المنتظمين فيها، وبواسطتهم تبني تصوراتها عن ذاتها وعن العالم.

واليوم يعود مارسيل غوشيه إلى هذا المنهج نفسه مطبقاً إياه على المجال السياسي.

نقطة البدء في كتاب غوشيه المشبع بإحالات تاريخية تفكيك الالتباس الذي يحيط بمفهوم" الأيديولوجيا" الذي غالباً ما يسبغ عليه معنى سلبياً، قوامه الانحياز الأعمى لفكرة مسبقة، لكن المعنى الذي يعالجه المفكر أعمق من ذلك بكثير، إذ ينظر إلى الأيديولوجيات التي تنظم حقل الهويات السياسية وتلهم حركات الرأي العام الكبرى كـ" شبكة قراءة" شاملة ترتب فهم المجتمع لذاته وتوجه خياراته السياسية، محددة أفق الممكن والمقبول.

هذه الأيديولوجيات التي تبلورت في القرن الـ19 مع صعود المجتمعات الديمقراطية الحديثة، التي يركز عليها الكتاب، تؤدي على ما يقول غوشيه، وظيفة بناءة داخل المجال العام، لأنها أخذت تحل محل الدين بوصفه الإطار المرجعي لتفسير العالم الاجتماعي، في لحظة تاريخية انتقل فيها الأفق من الامتثال للماضي إلى صناعة المستقبل.

وإذ يشدد على أن الأيديولوجيات، مع انفتاح إمكان الاختيار أمام الحرية الإنسانية وبروز فراغ معياري ومعنوي، ملأت هذا الفراغ عبر تقديمها تصورات شاملة نظمت الفعل السياسي ووجهت الطموحات الجماعية، فإنه يؤكد أن تأثيرها قد ظل لغزاً محيراً، على رغم القراءة الماركسية التي سيطرت طويلاً على فهمها وحددت معناها في إطار نقد الوعي الزائف والبنية الطبقية.

وبما أن غوشيه قد أعلن القطيعة مع التصور الماركسي الذي رأى في الأيديولوجيا أداة فكرية لهيمنة الطبقة البرجوازية داخل البنية الرأسمالية، فها هو ذا يقترح ردها إلى دينامية سياسية نابعة من طبيعة المجتمع التاريخي الحديث نفسه، مرسخاً إياها في جذور أعمق، لا سيما أن المجتمعات الديمقراطية، لم تعد، كما سبق وأشرت، تستمد شرعيتها من الماضي أو من مرجعية متعالية، بل من قدرتها على صنع المستقبل، لذا كانت إحدى أطروحات الكتاب الدفاع عن فكرة أن الأيديولوجيا هي" ابنة السياسة"، لا العكس، لأنه مع انهيار المجتمعات الدينية وتقدم مسار العلمنة، لم تختف مطلقاً حاجة الإنسان إلى معنى شامل يضبط الكل الاجتماعي، بل انتقلت من الدين إلى السياسة، مما مكن الأيديولوجيات من الحلول مكان العقائد الدينية كأطر تفسيرية.

في هذا السياق، يلمح المؤلف إلى إشكالية" تفكير المؤسسات" كما بلورتها ماري دوغلاس، غير أنه يوسع هذا الأفق التحليلي، رافعاً إياه إلى مستوى الديمقراطية ذاتها بوصفها تشكيلاً تاريخياً شاملاً للعيش معاً، فالديمقراطية، في تصوره، لا تكتفي بإرساء قواعد الحكم، بل تنتج فضاءً معرفياً ورمزياً يحدد" ما يمكن التفكير فيه" و" ما يمكن تصديقه"، وهذان المفهومان المركزيان هما اللذان تتكون منهما الأيديولوجيات.

بهذا المعنى، يؤكد غوشيه أن كل مرحلة تاريخية، تبعاً لتوازناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ترسم حدود التفسيرات المعقولة أو القابلة للتصديق، فتفتح مجالاً لأفكار بعينها وتقصي غيرها، لذلك لا تنشأ الأيديولوجيات من فراغ، بل تتكون داخل أفق تاريخي مسبق التشكل يوجه إمكاناتها ويضبط شروط ظهورها، من هنا تمييزه بين الدينامية الرأسمالية والدينامية السياسية.

فالرأسمالية، بما هي نمط إنتاج وتراكم، ليست كافية في رأيه لتفسير التحولات الأيديولوجية، ثمة منطق سياسي مستقل نسبياً، يرتبط ببنية السيادة وبعلاقة المجتمع بذاته، وبالتصور السائد للفرد وللجماعة، وهذا المنطق هو الذي يحدد أشكال الصراع الأيديولوجي وهو الذي ينتج تبعاً للظروف" ما يمكن التفكير فيه" و" ما يمكن تصديقه"، أي الأفكار التي تستمد منها الأيديولوجيات عناصرها.

في قسمه التاريخي يقدم الكتاب إعادة قراءة لمسار الأيديولوجيات الكبرى منذ القرن الـ19، مشدداً على أنه مع بروز المجتمعات الديمقراطية الحديثة، تبلورت ثلاث عائلات أيديولوجية كبرى نظمت الحقل السياسي، لكل واحدة منها تفرعاتها الداخلية.

هذا التعدد لا يختزله غوشيه في الصراع الطبقي، بل يربطه بتصورات متباينة حول الحرية والمساواة والسيادة ودور الدولة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).

في خلفيته النظرية يطرح الكتاب كذلك سؤالاً ملحاً: لماذا تبدو الديمقراطيات المعاصرة مرتبكة ومضطربة؟ يجيب غوشيه بأن جزءاً من هذه الأزمة يعود إلى اختلال العلاقة بين السياسة والمجتمع، فحين تتخفى الأيديولوجيا في شكل" بداهة" لا واعية، وتتحول إلى هواء العصر الذي يتنفسه الجميع، يفقد الفاعلون السياسيون القدرة على بلورة مشاريع واضحة المعالم.

هكذا يفسر المفكر ظواهر صعود الشعبويات، وتآكل الأحزاب التقليدية، واتساع الفجوة بين النخب والجماهير.

ليست هذه التحولات في رأيه مجرد انفعالات عابرة، بل تعبير عن إعادة تشكل الحقل الأيديولوجي نفسه، وعن بحث المجتمعات الديمقراطية عن توازن جديد بين الحرية والسيادة والعدالة.

من هذه الزاوية يولي الكتاب اهتماماً خاصاً بتحولات السبعينيات من القرن الـ20 وبروز أيديولوجية النيوليبرالية التي أعادت صياغة المعايير السياسية والاجتماعية، والتي لم تكن في رأيه مجرد سياسة اقتصادية، بقدر ما كانت رؤية شاملة أعادت تعريف الدولة والسوق والفرد والعلاقة بينهما.

يقول غوشيه إن النيوليبرالية أحدثت انقلاباً عميقاً في التوازنات الديمقراطية، عبر تقليص دور الدولة، وتعزيز منطق السوق، وتكريس الفردانية، غير أن هذه الدورة الأيديولوجية، بنظره، بلغت مرحلة الإنهاك، ذلك أن الأزمات الاقتصادية المتتالية، وتصاعد الحركات الشعبوية، وعودة مطالب السيادة الوطنية، مؤشرات، إن دلت على شيء، فعلى تآكل الإجماع النيوليبرالي، لكن ذلك لا يعني في نهاية المطاف" موت الأيديولوجيا"، لأن الديمقراطية بحسب غوشيه لا تستطيع الاستغناء عن الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا نظام مفتوح على المستقبل، يحتاج دوماً إلى تصور شامل يوجه اختياراته، وما نعيشه اليوم هو نهاية دورة أيديولوجية وبداية بحث عن دورة ثانية وأفق جديد.

تتجلى أهمية هذا الكتاب على مستويات عدة:

أولاً، على المستوى المفهومي، إذ يعيد تعريف الأيديولوجيا خارج ثنائية" الحقيقة/الزيف"، ويقدمها كبنية ملازمة للفعل السياسي في المجتمعات الحديثة.

ثانياً، على المستوى التاريخي، إذ يقدم سردية متماسكة لتطور الأيديولوجيات منذ القرن الـ19 إلى يومنا هذا، من دون الوقوع في التبسيط أو الحتمية.

ثالثاً، على المستوى التشخيصي، إذ يوفر أدوات لفهم الأزمة الراهنة للديمقراطيات الغربية.

ختاماً، إن كتاب" كيف تفكر الديمقراطيات، الدوافع الخفية للأيديولوجيات" الذي يندرج في إطار مشروع مارسيل غوشيه الفكري الذي يتمحور حول تحليل الحداثة السياسية بوصفها مساراً تاريخياً للخروج من الهيمنة الدينية وبناء سيادة بشرية ذاتية من خلال التركيز على آليات اشتغالها الداخلية، وعلى الكيفية التي" تفكر" بها في ذاتها عبر الأيديولوجيات، هو محاولة مهمة لفهم البنية العميقة للسياسة الحديثة.

وفيه يؤكد المفكر أن الأيديولوجيات ليست قناعاً زائفاً ينبغي تمزيقه، بقدر ما هي أفق رمزي لا غنى عنه لتنظيم التجربة الديمقراطية، ولعله من خلال تتبع مسار الأيديولوحيات منذ القرن الـ19 إلى أزمة النيوليبرالية الراهنة، يقدم تحليلاً رصيناً يساعد على قراءة اللحظة السياسية المعاصرة بوصفها لحظة تحول تاريخي، لا مجرد أزمة عابرة، مشكلاً مساهمة رصينة في النقاش الدائر حول مستقبل الديمقراطية، ومقدماً مدخلاً نظرياً دقيقاً لفهم التحولات الأيديولوجية التي تعيد تشكيل العالم، مما يتيح إعادة قراءة شاملة لمسار الأيديولوجيات التي هيمنت تباعاً على التاريخ الحديث، مفرداً حيزاً خاصاً للنيوليبرالية التي تحدث، منذ سبعينيات القرن الـ20، انقلاباً عميقاً وخفياً على مستوى المعايير السياسية والاجتماعية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك