العقبة- بينما تضرب الأمواج العاتية للاضطرابات الجيوسياسية سواحل التجارة العالمية، يجد ميناء العقبة– الرئة البحرية الوحيدة للأردن– نفسه في قلب عاصفة اقتصادية من نوع آخر، وذلك على وقع استمرار التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى.
اضافة اعلان.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه المعطيات الميدانية استمرار تدفق البضائع ورسو البواخر دون إلغاءات تذكر، تشتعل نيران الأسعار في فواتير الشحن والتأمين، مسجلة ارتفاعات قياسية بلغت 100 %، مما يضع التاجر والمستهلك الأردني أمام اختبار اقتصادي صعب، في حين ترسم الجهات المعنية صورة مطمئنة حول الأمن الغذائي وتوفر السلع الإستراتيجية.
ولم يكن صباح التجار والمستوردين الأردنيين عاديا خلال الأيام الماضية، فقد استيقظ القطاع التجاري على وقع قرارات صادمة من الخطوط الملاحية الدولية، حيث أبلغ وكلاء الملاحة في المملكة عملاءهم بزيادات فورية على أجور الشحن البحري الأساسي.
فقد قفز سعر شحن الحاوية قياس 40 قدما من 3000 دولار إلى 6000 دولار دفعة واحدة، ولم تكن الحاوية قياس 20 قدما بأحسن حالا، حيث ارتفعت تكلفتها من 2000 دولار لتلامس حاجز الـ4000 دولار.
وهذه الزيادات لم تأت تدريجية، بل جاءت كقرارات حاسمة شملت البضائع الواردة من الصين، وكوريا، وتايوان، وهونغ كونغ، وسنغافورة، وفيتنام، وكمبوديا، ومختلف موانئ جنوب شرق آسيا المتجهة إلى العقبة.
وعبر تجار ومستوردون عن استيائهم العميق، واصفين هذه الزيادة بأنها" الأكبر والأقسى" منذ سنوات طويلة، مشيرين إلى أن العقبة باتت تواجه خطر أن تصبح وجهة ذات تكاليف شحن من بين الأعلى عالميا، وهي زيادة مزدوجة بين التأمين والنقل.
وبحسب التاجر محمد الأسمر، فإن الارتفاعات الأخيرة في أجور الشحن تشكل عبئا غير مسبوق على القطاع التجاري، واصفا إياها بأنها من" الأكبر والأقسى" منذ سنوات طويلة، مشيرا إلى أن العقبة أصبحت مهددة بأن تصنف ضمن الوجهات الأعلى عالميا من حيث تكاليف الشحن، لا سيما في ظل الارتفاع المزدوج الذي طال كلفتي التأمين والنقل معا، ما فاقم الأعباء على المستوردين وأثر بشكل مباشر على حركة التجارة.
وهذه المعادلة الاقتصادية لا تقبل القسمة على اثنين في مثل هذه الظروف؛ فارتفاع التكاليف سيتحلحل نزولا حتى يستقر في فاتورة المستهلك النهائي، حيث يحذر مراقبون اقتصاديون من أن المواطن الأردني سيكون المتضرر الأكبر من هذه الموجة، لا سيما في أسعار المواد الغذائية، والأجهزة الكهربائية، والإلكترونيات.
وأشاروا إلى أن الزيادة في كلف الشحن ترفع تلقائيا قيمة الرسوم الجمركية والضرائب (التي تحسب كنسبة من القيمة الإجمالية للبضاعة واصلةً إلى الميناء)، مما يعني" تضخما مركبا" في السعر النهائي.
وفي ظل أوضاع سوقية تتسم بالركود وضعف القدرة الشرائية، يجد التجار أنفسهم بين مطرقة رفع الأسعار وسندان تآكل هوامش أرباحهم المحدودة أصلا، حيث قد يضطر البعض إلى تحمل جزء من التكلفة للحفاظ على دوران عجلة البيع، لكن القدرة على الاحتمال لن تطول.
من جهته، يربط المستشار البحري الدكتور عاطف المعايطة ما يحدث في العقبة بالتصعيد العسكري في مضيق هرمز نتيجة الحرب بين إيران وأميركا وكيان الاحتلال الإسرائيلي، قائلا إن إغلاق مضيق هرمز، سواء كان جزئيا أو فعليا، لا تتوقف ارتداداته عند حدود الخليج العربي، بل تضرب بقوة في عمق سلاسل التوريد العالمية وصولا إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
ويفصل المعايطة تأثيرات هذا المشهد المعقد في عدة نقاط جوهرية، أهمها شلل في سلاسة التدفق؛ حيث إن حركة السفن عبر مضيق هرمز– الذي يعد شريان الطاقة للعالم بنقل 15-20 % من النفط والغاز– قد انخفضت بشكل حاد أو توقفت عمليا.
وهذا الوضع دفع بشركات النقل العملاقة إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بإلغاء رحلات أو تأجيلها، مما خلق فجوة في سلاسل التوريد.
وأضاف، رغم أن المضيق يقع جغرافيا بعيدا عن البحر الأحمر، إلا أن الخوف من توسع رقعة الصراع دفع السفن إلى إعادة هيكلة مساراتها وتجنب المناطق الخطرة التي تفتقر إلى التغطية التأمينية.
كما أشار المعايطة إلى الالتفاف المكلف؛ فالخيار البديل كان رأس الرجاء الصالح، إذ إن الدوران حول القارة الإفريقية يضيف بين 10 إلى 16 يوما إلى زمن الرحلة.
وهذا التأخير هو تكلفة تشغيلية هائلة (وقود، طواقم، صيانة)، وتعطيل لجدول الرحلات الدقيق الذي تعتمد عليه التجارة العالمية، إلى جانب جنون أجور النقل؛ فتكاليف استئجار ناقلات النفط العملاقة (VLCC) تجاوزت في بعض الحالات 400 ألف دولار يوميا، أما الحاويات فقد ارتفعت أجور نقلها بنسب تتراوح بين 40-50 % على مسارات آسيا-أوروبا، مع فرض رسوم طوارئ وحرب (War Surcharge) ألهبت الأسعار.
النقطة الأخطر التي يثيرها المعايطة، تتعلق بشركات التأمين التي انسحبت من تغطية مخاطر الحرب في المناطق الساخنة، أو ضاعفت أقساطها بشكل جنوني، ذلك أن التقديرات تشير إلى ارتفاع علاوات التأمين الحربي بنسبة 50-100 %، مما يضيف مئات الآلاف من الدولارات على تكلفة كل رحلة، وهو ما ينعكس مباشرة على البضائع الواصلة إلى العقبة.
أما نقيب ملاحة الأردن، الكابتن محمد دلابيح، فأكد صحة الأنباء المتعلقة بالارتفاع في الكلف، مشيرا إلى أن رسوم تأمين الحاويات قفزت من 1500 دولار لتصل إلى 4000 دولار، وتختلف القيمة حسب حجم ونوع الحاوية، وهو ما يفسر الشكاوى المتصاعدة من القطاع التجاري.
لكن، وفي خضم هذه الأرقام المقلقة، يبعث الكابتن دلابيح برسالة طمأنة بالغة الأهمية حول أمن الأردن الإستراتيجي، قائلا إنه رغم كل ما يجري، فإن موانئ العقبة تعج بالبواخر، ولا يوجد إلغاء للرحلات، والأرصفة تعمل بكامل طاقتها لتفريغ الحمولات، لا سيما مصادر السلع الإستراتيجية: القمح، والشعير، والمواشي، وهي ركائز الأمن الغذائي الأردني، وتأتي بمعظمها عبر البحر الأبيض المتوسط ومن أوروبا.
وأضاف، أن هذا المسار الملاحي يجنب هذه السلع المرور عبر مضيق هرمز أو المناطق الأكثر اشتعالا في المحيط الهندي، مما يضمن استمرار تدفقها بسلاسة نسبية مقارنة بالبضائع القادمة من الشرق الأقصى.
وفيما يتعلق بملف الطاقة، كشف دلابيح عن وجود تحد سابق في إمدادات النفط، إلا أنه تم التعامل معه بحرفية عالية من خلال استبدال المصادر والاعتماد على ميناء" ينبع" السعودي على البحر الأحمر، لافتا إلى أن هذا التحول الإستراتيجي ضمن استمرار تدفق الذهب الأسود إلى المملكة دون انقطاع، في حين أكد وجود مخزون إستراتيجي كاف ومطمئن.
من جهته، أكد مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ الدكتور محمود خليفات، أن حركة الملاحة البحرية والمناولة المينائية تسير بشكل طبيعي من وإلى ميناء العقبة، مشيرا إلى أن 6 بواخر ترسو على أرصفة ميناء العقبة حاليا، محملة بأنواع مختلفة من السلع والبضائع، أهمها الشعير، والفحم، والحديد، مشددا على أن ميناء العقبة يعد ملاذا آمنا للتجار ويحظى بسمعة طيبة على المستوى المحلي والدولي نظرا لموقعه والحالة الآمنة التي يعيشها.
وبين خليفات، أن ميناء العقبة الرئيس سيستقبل خلال الأيام المقبلة، وضمن البرامج المقررة لوصول البواخر والسفن التجارية، العديد من البواخر المحملة بالسيارات والعجول، مشيرا إلى أن انسياب البواخر إلى ميناء العقبة لم يتأثر بالأحداث الدولية، بينما أكد وجود خطة طوارئ متكاملة في ميناء العقبة لضمان انسيابية دخول سلاسل التوريد بشكل آمن إلى المملكة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك