على مائدة عامرة بأطايب الطعام جلس سرحان وعرفان يتناولان عشاءهما.
رفع عرفان رغيف خبز، وراح ينظر إليه طويلاً، ثم مصمص شفتيه، وقال:
- على مثل هذا فقط عاشت أم هارون الخرسانية.
ضحك سرحان وهو ينظر إلى ما أمامه من صحون لحوم وخضار مطبوخ وأرز، وقال:
- هذه نعم الله فكيف يحرم المرء منا نفسه؟ !
- أجسادنا في حاجة إلى غذاء، وفيه صحة تغني عن الدواء، والوقاية خير من العلاج.
- من المشقة أن نقيس على الزاهدين، لكن من الحكمة أن نعتبر بما كانوا عليه من زهد وتعفف، فإن كانت قلة الطعام تمرض، فكثرتها حد التخمة تمرض أيضاً، ولا تنس أن المتصوفة يسمون بالجوعية، فهم يقللون طعامهم لتصفو أرواحهم.
من بين هؤلاء كانت أم هارون، حتى وصفت بـ«الطاوية»، لكثرة صيامها، وعيشها على النزر اليسير من الطعام، ورآها الناس زاهدة حيث كانت ترتدى ثياباً خشنة من الصوف، لا ترضى بها بديلاً، وهناك من لقبها بالمتعبدة لكثرة عبادتها، ويوجد من يراها الصوفية التي تمثل مسار الهيبة والحياء.
ويقال أيضاً إنها اشتهرت بين الناس بقدرتها الفائقة على معرفة أحوال القلوب.
وهو يمضع قطعة من لحم الخروف، قال سرحان:
- ما أدرانا، لعل الله وضع في خبز أم هارون كل شيء، وهو ما لا يؤتى لي ولك، فنحن إن كنا نمضي على الطريق، فلسنا سوى اثنين يدرسان التصوف، وفرق كبير بين من يكتفي بدراسته، وتتبع سير أهله، وبين من يتذوق، وكلاهما على مسافة بعيدة ممن ألقى الله في قلوبهم المحبة، وفي نفوسهم الإلهام.
- كانت أم هارون الخرسانية تمشي من بيت المقدس إلى دمشق، ولو فعلناها نحن، دون أن نأكل سوى الخبز، لسقطنا إعياء.
- لم تنقطع عنها حتى وهي تسيح في الأرض، كان الله لها في الطريق أنيساً.
- كان هذا في طلب العلم والجهاد، ومع الاثنين، لا تكف عن العبادة، فقد قيل إنها كانت تتنقل بين ثغور الشام ومرابطه، وتمر بمتصوفة يعبدون ويجاهدون في سبيل الله.
لم تنقطع للعبادة مثل غيرها في زاوية أو غرفة، إنما تركت الجدران، وساحت في الأرض، وكانت كثيرة الزيارة أيضاً للأماكن المقدسة.
- رغم مشقة حياتها، كانت تتمنى أن يمتد بها العمر.
- نعم، كانت تقول: «إني لأغتنم بالنهار حتى يجيء الليل، فإذا جاء الليل قمت في أوله، فإذا جاء السحر دنا الروح من قلبي».
وقد سألها الزاهد العابد أبوسليمان الداراني ذات يوم: «ما تقولين الرجل يحب لقاء الله؟ قالت: ويحك، ذاك رجل ثقلت عليه الطاعة وأحب الراحة منها.
فقال لها: فإنه إذا أحب البقاء في الدنيا، قالت: بخ بخ، ذاك رجل أحب الطاعة، وأحب أن يبقى لها وتبقى له».
- لم تستبعد أن يداهمها الموت في أي وقت، فقد استعدت لما بعده خير استعداد، لكنها كانت مع كثرة تعبدها تظن أنها لا تزال عاصية.
- كيف هذا، وقد جاعت لتزهد، وساحت لتعبد، وجاهدت فجعلت العمل قرين العلم؟- يحضرني في هذا المقام ما دار بينها وبين الداراني أيضاً، فهو سألها: أتحبين الموت.
قالت: لا.
قال: ولم تكرهين لقاء الله تعالى؟ فبكت ثم قالت: يا أبا سليمان: لو عصيت آدمياً ما حببت لقاءه، فكيف أحب لقاء الله وقد عصيته، فوقع أبوسليمان مغشياً عليه.
بلع سرحان لقمة سخية، وقال بحروف تتوه في تجشئه، وقال:
- يا لها من إجابة تدل على مهابة من لقاء الله، إنه مقام الهيبة المتقدم على طريق السالكين والعارفين.
- غلب لديها الحياء من التقصير في جنب الله، على الرغبة في لقائه، ويا له من تواضع!
- لا أستغرب حال هذه المرأة، فهي من خراسان، هذا المكان الواسع الذي يمتد الآن بين دول ثلاث، هي إيران وأفغانستان وتركمانستان، وكان في زمن أم هارون مقراً لكثير من زهاد القرنين الثاني والثالث الهجري.
وساد بينهما صمت، قطعه سرحان قائلاً:
- سيرة جديرة بألا يهملها من سجلوا تاريخ المتصوفة الأولين.
- نعم، فأم هارون ورد ذكرها في مصادر تاريخية موثوقة، مثل «صفة الصفوة» لابن الجوزي، وتحدث عنها في باب المصطفيات من العابدات بدمشق، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي، و«طبقات الصوفية» للسلمى، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، الذي ذكرها ضمن من دخل دمشق من النساء العابدات، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم الأصبهاني، حيث أورد بعضاً من أخبارها ومواعظها.
- حياة أم هارون امتدت في القرن الثانى الهجري، وتوفيت في أوائل القرن الثالث، وخلال هذه السنوات علا شأن مدرسة الزهد في البصرة والشام.
- من عاصرت من المتصوفات؟ سأل سرحان.
- إن ضاهينا التواريخ سنجدها عاصرت أو اقترب زمانها من أيام رابعة العدوية، وهي من أشهر المتصوفات كما تعرف، ورابعة الشامية، الزاهدة المتقلبة بين حب وأُنس وخوف، زوجة الزاهد أحمد بن أبي الحواري تلميذ أبوسليمان الداراني، وفاطمة النيسابورية التي تعلم منها أبويزيد البسطامي، وعدَّها أستاذته، وكان لأم هارون ما لها من قوة البصيرة والورع.
- وهل كان أبوسليمان الداراني يتردد عليها كثيراً؟- نعم، كان يزورها مراراً، وينصت إليها، ويقال إنه كان يعجبه فيها قوة بصيرتها، ورجاحة العقل.
- طالما أن أم هارون قد اقترب منها الداراني، فقد دخلت دائرة العابدات اللائى درن فى فلكه، ونقل هو عنهن، ومنهن عفيرة العابدة، التي اشتهرت بكثرة البكاء من خشية الله، وأمة الجليل، التي كانت من السائرات على درب الزهد في بلاد الشام.
وفى الزمن نفسه عاشت السيدة نفيسة بنت الحسن.
- وما الذي يميز أم هارون عن سائر متصوفات عصرها؟ سأل سرحان.
- يتشابهن في كثير من الأحوال والمقامات، وإن كان هناك من نظر إلى أم هارون على أنها تختلف عنهن في جمعها بين السياحة في الأرض والتجربة الروحية العميقة، وهو ما تهديه إلينا أخبارها المبثوثة في بطون الكتب التي حوت تراجم الزاهدين والزاهدات.
ولهذا تعد من النساء اللاتي أثرن فيما يمكن أن نسميها مدرسة الزهد في الشام.
قام الرجلان عن الطعام، وكل منهما مشغول بما قاله أو سمعه عن أم هارون، وحين جلسا على أريكة لينة، سأل سرحان:
- هل تتلمذ أحد من الرجال على يد أم هارون؟- تذكر الحوليات التاريخية أن راوي الحديث النبوى عبدالعزيز بن عمير أبوالفقير الخراساني، كان تلميذاً لها، وقد روى عن أبي سليمان الداراني، وحجاج بن محمد، وعطاء الأزرق، وعبدالعزيز الراسبي، وزيد بن أبي الزرقاء، فيما روى عنه أحمد بن أبي الحواري، وإبراهيم بن أيوب الحوراني.
- وماذا تعلم منها عبدالعزيز الخراساني؟- كانت تنصحه دوماً بمحبة الله وطاعته، وكان يستشيرها، ويأخذ برأيها، وكذلك كان يفعل أبوسليمان الداراني.
- عرفت منك اليوم يا صاحبي أم هارون أخرى، غير أم هارون الرشيد، الخيزران بنت عطاء، التي كانت زوجة خليفة وأم خليفتين للمسلمين في زمن العباسيين، وكانت تدير أمر الخلافة من وراء ستار.
- شتان بين من غرقت في تدابير الدنيا، لا تحسب أن الموت مدركها، وبين التي كانت تخشى الموت متهيبة لقاء الله، وهي تظن، على كثرة عبادتها، أنها عاصية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك