لطالما كانت الحروب، إلى جانب خسائرها الإنسانية والاقتصادية، سبباً في ظهور ما يُعرف بـ" أثرياء الحروب"، وهم رجال أعمال يحققون أرباحاً ضخمة من الفوضى التي تضرب الأسواق وسلاسل الإمداد.
ففي كل صراع كبير تتبدل موازين التجارة والطاقة والنقل، لتفتح فرصاً استثنائية لمن يراهنون مبكراً على التحولات القادمة.
وفي خضم الحرب الدائرة في المنطقة، برز اسم قطب شحن كوري جنوبي غامض تحولت مقامرته الضخمة على ناقلات النفط إلى مصدر أرباح هائلة، بعدما قفزت أسعار النقل البحري وتعطلت الملاحة في الخليج، لتصبح قصته مثالاً جديداً على الأثرياء الذين تصنعهم الحروب.
وبحسب وكالة بلومبيرغ، فإن الكوري الجنوبي غا هيون تشونغ كان قد استبق الحرب بشراء أو استئجار عدد كبير من ناقلات النفط العملاقة، ليصل نفوذ شركته" سينوكور" إلى نحو 150 ناقلة نفط عملاقة، أي ما يعادل قرابة 40% من السفن المتاحة في السوق العالمية غير الخاضعة للعقوبات أو المرتبطة بعقود طويلة الأجل.
ومع اندلاع الحرب وارتفاع الطلب على السفن، قفزت كلفة استئجار بعض الناقلات إلى 500 ألف دولار يوميا لاستخدامها كمخازن عائمة للنفط، وهو مستوى يقارب عشرة أضعاف متوسط الأسعار المسجلة العام الماضي.
قبل اندلاع الحرب بأسابيع، نقلت" سينوكور" ست ناقلات نفط عملاقة فارغة على الأقل إلى الخليج، حيث بقيت في المنطقة بانتظار شحنات النفط.
ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وامتلاء مرافق التخزين في المنطقة، تحولت هذه السفن إلى مورد نادر بالنسبة لشركات الطاقة التي تبحث عن سعة تخزين إضافية.
وذكرت" بلومبيرغ" أن تعطل حركة السفن في الخليج، إلى جانب تغيير مسارات الشحن العالمية، أدى إلى تضييق سوق ناقلات النفط بسرعة.
كما أن جزءاً من الأسطول العالمي بقي عالقاً داخل الخليج، وهو ما ساهم في رفع أسعار النقل البحري إلى مستويات قياسية.
ونقلت" بلومبيرغ" عن مدير شركة وساطة الشحن في لندن" فيرنليز شيب بروكرز"، هالفور إليفسن، أن تحركات" سينوكور" كان لها تأثير واضح في السوق.
وأوضح أن الشركة" سيطرت على جزء كبير من الأسطول"، الأمر الذي أدى إلى تشديد المنافسة بين شركات النقل البحري وأتاح لها في بعض الأحيان فرض الأسعار التي تريدها.
وقد انعكس ذلك مباشرة على أسعار استئجار الناقلات العملاقة من طراز" VLCC"، وهي السفن القادرة على نقل نحو مليوني برميل من النفط الخام.
فقد تجاوز متوسط تكلفة استئجار هذه السفن لمدة عام 100 ألف دولار يومياً، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 1988.
وضمن هذا الرهان، نقلت" سينوكور" عدداً من سفنها إلى الخليج قبل اندلاع الحرب.
ففي 29 يناير/كانون الثاني 2026 عبرت ناقلة تديرها الشركة تدعى" سنغافورة لويالتي" مضيق هرمز وبقيت فارغة داخل الخليج بانتظار الشحنات.
وخلال الأسابيع الأربعة التالية لحقتها خمس ناقلات أخرى، حيث تجمعت السفن قرب دبي في انتظار فرص نقل النفط.
ولم يكن واضحا حينها ما إذا كانت الشركة توقعت اندلاع الحرب أو أنها كانت ببساطة تتجه إلى واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط في العالم.
لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 وتعطل جزء كبير من حركة الملاحة في المضيق، أصبحت هذه السفن من بين القلة المتاحة لشركات النفط التي تحتاج إلى نقل الخام أو تخزينه.
بحلول 2 مارس/آذار 2026، ومع تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، ارتفعت أسعار نقل النفط إلى مستويات قياسية.
وأفاد وسطاء شحن بأن" سينوكور" طلبت ما يعادل 20 دولاراً للبرميل لنقل النفط من الخليج إلى الصين باستخدام ناقلاتها العملاقة، مقارنة بمتوسط يقارب 2.
5 دولار للبرميل العام الماضي.
كما أظهرت بيانات" تانكرز إنترناشونال" أن إحدى الصفقات الحديثة لتأجير ناقلة نفط من البرازيل بلغت نحو 181 ألف دولار يومياً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط أرباح هذه السفن في العام الماضي.
وحسب" بلومبيرغ" فإن" سينوكور" اشترت بعض ناقلاتها خلال يناير/كانون الثاني 2026 بسعر متوسط بلغ نحو 88 مليون دولار للناقلة الواحدة، استنادا لبيانات أحد الوسطاء.
وبمعدل تأجير يبلغ 500 ألف دولار يومياً، يمكن لسفينة واحدة أن تسترد قيمتها خلال أقل من ستة أشهر إذا استمرت الأسعار المرتفعة.
ورغم الأرباح الكبيرة، يحذر محللون من أن نجاح هذا الرهان قد لا يدوم طويلا.
فقد وصفت وكالة الطاقة الدولية الاضطراب الحالي في سوق النفط بأنه" أكبر اضطراب في الإمدادات على الإطلاق"، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض حجم النفط المتداول في البحار.
لكن في الوقت الراهن، يبدو أن الحرب في المنطقة قد حولت رهان تشونغ الجريء إلى مكسب كبير.
وقال محلل الطاقة كارل لاري إن" الموقع الجيد في السوق هو مزيج من الاستراتيجية والقليل من الحظ"، مضيفاً أن" رهان سينوكور على ناقلات النفط كان مفيداً بشكل غير عادي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك