على امتداد التاريخ، عرف القفطان تحولات مهمة مع تعاقب السلالات التي حكمت المغرب بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر.
فمن المرابطين (1056–1147) إلى الموحدين (1121–1269) ثم المرينيين (1248–1465) والسعديين (1549/1554–1659) وصولا إلى العلويين (منذ 1666 إلى اليوم)، تشكل هذا الزي بفعل تطور صناعة النسيج وتلاقح التأثيرات الثقافية بين شمال إفريقيا والأندلس.
ومع ازدهار صناعة الديباج والحرير وخيوط الذهب في فاس خلال القرن الرابع عشر، أصبح القفطان يرتدى بطرق وأساليب مختلفة في مدن عدة، من تطوان إلى مراكش مرورا بوجدة والرباط وسلا.
وفي هذا السياق، تميز قفطان الرباط وسلا بتنوع أكبر في الأقمشة وتقنيات التطريز وتنسيق القطع المرافقة له، مع حضور واضح للتأثير الأندلسي.
ويتجلى ذلك خصوصا في النموذج القديم لقفطان سلا، وكذلك في لباس عروس الرباط التقليدي، الذي أصبح نادر الظهور في الوقت الحاضر.
ومع مرور الزمن، أصبح القفطان حاضرا في مختلف المناسبات والاحتفالات، سواء كانت عائلية أو دينية أو اجتماعية.
كما ظل من الأزياء التقليدية التي تحظى باهتمام خاص خلال شهر رمضان، حيث يرتدى ضمن طقوس الاحتفال بأول صيام للفتيات.
غالبًا ما يُقام هذا الاحتفال في ليلة القدر، ويترافق مع جلسة نقش الحناء، بعد تقديم الحليب المعطر بماء الزهر والبيض والتمر المحشو للصائمين الصغار.
تأثيرات متبادلة بين المدنفي عدد من المدن المغربية، تطورت هذه العادة لتشمل الفتيات والفتيان الصغار، الذين يشاركون في هذه المناسبة الرمزية بارتداء اللباس التقليدي.
وفي الرباط، تعد هذه المناسبة إحدى اللحظات التي يعاد فيها إبراز القفطان الرباطي، الذي شهد تطورا ملحوظا خاصة منذ القرن التاسع عشر.
فخلال تلك الفترة، أصبحت الرباط مركزا للسلطة العلوية التي كانت متمركزة سابقا في فاس.
وقد عمل السلطان الحسن الأول (1873–1894) على تعزيز استقلال المغرب عبر تحديث الإدارة والجيش.
ومع توسعة القصر الملكي سنة 1879 في المدينة التي أصبحت لاحقا العاصمة الإدارية سنة 1912، نشأت بيئة حضرية جديدة ساهمت في بروز اللباس المديني وتطوره.
ومنذ نحو 1880، بدأ القفطان الرباطي يكتسب ملامحه الخاصة بشكل أوضح.
نموذج قديم من قفطان الرباط - بداية القرن العشرين / متحف دار السي سعيد، مراكشوكان هذا القفطان يزين بتطريزات تجمع بين الزخارف النباتية والهندسية، إضافة إلى اللآلئ.
وفي تصريح لموقع يابلادي، أوضحت مصممة الأزياء المغربية فاضلة القاضي أن القفطان الرباطي يختلف عن قفطان سلا من حيث القصة والزخارف والأقمشة.
وقالت" يتميز القفطان الرباطي بقصة واسعة وأكمام كبيرة، وغالبا ما يصنع من المخمل ويزيّن بجدائل ذهبية ذات نقوش نباتية أو هندسية.
أما قفطان سلا فيتميّز بتطريزات دقيقة بخيط الذهب تعرف بالقيطان، مع زخرفة أكثر رقة وتوازنا".
وتضيف المصممة أن تقاليد القفطان في المدينتين تشترك في قدر كبير من الأناقة وتعكس مهارة حرفية راقية، كما تنتمي إلى إرث ثقافي مشترك يربط الرباط وسلا عبر التاريخ والممارسات الاجتماعية.
ويظهر هذا الترابط أيضا في بعض النماذج القديمة التي تشبه قفاطين تطوان.
من بين العناصر التي تعكس هذا التراث استخدام غطاء الرأس مع القفطان أو الحزام العريض الذي يرافقه.
ومن الأزياء التي كادت تختفي اليوم" الشدّة الرباطية" أو" التوقيفة"، وهو زي كانت ترتديه عروس الرباط في الماضي.
ويتكون هذا اللباس عادة من قفطان مخملي مزين بأشرطة ذهبية وأكمام واسعة، ويرافقه" إزار الحرير"، وهي قطعة قماش حريرية كبيرة تطرّز أطرافها بخيوط ذهبية.
كما يضاف إليه وشاح حريري أحمر طويل مطرز الأطراف (الشربّية)، ومنديل قطني أبيض (شدّ البياض)، وقطعة من الديباج السميك (أبروق)، وهي عناصر تشكل أساس غطاء الرأس الذي تثبت عليه شرائط مخملية مزينة باللآلئ.
ويستكمل الزي بمجموعة من الحلي التقليدية، مثل القلائد والأساور والقلادات المتدلية والأقراط المزخرفة بعناية.
أما الزي القديم لعروس سلا فيعتمد بدوره على قفطان مع غطاء للرأس وأقمشة من الحرير أو المخمل أو الديباج، مزينة بتطريزات دقيقة.
ويستحضر هذا اللباس في آن واحد التوقيفة الرباطية وبعض تقاليد تطوان.
وفي هذا السياق، توضح فاضلة القاضي أن هذه التشابهات تعود إلى التبادلات التاريخية بين المدينتين، المرتبطة بالتجارة البحرية والتحالفات العائلية، وهو ما ساهم في انتقال الأزياء والمهارات الحرفية بينهما.
ومع مرور الزمن، طورت كل مدينة بصمتها الخاصة في القفطان، مع الحفاظ على جذورها الأندلسية المشتركة.
وتقول المصممة، وهي من مواليد سلا، إنها نشأت في بيئة غنية بالتقاليد الحرفية والتراث المرتبط بالأزياء، ما جعلها تتشرب منذ صغرها مهارات النسيج والتطريز ويغذي اهتمامها المبكر بعالم التصميم.
وأضافت" حتى وإن أغنى مساري لاحقًا بتجارب مختلفة في مجال الإبداع، فإن هذا الإرث الثقافي ظل في صميم رؤيتي".
وقد أطلقت فاضلة القاضي علامتها الخاصة سنة 2007، حيث تعمل على إعادة توظيف هذا التراث التقليدي في تصاميم عصرية تمنحه بعدا عالميا وطابعا متجددا.
وتجمع المصممة في أعمالها بين التطريز اليدوي والمخمل والحرير والقطن، كما تسعى إلى تعزيز حضور هذا التراث الحرفي المتوارث بين الأجيال.
وفي هذا الإطار قالت" هذا ما دفعني أيضا إلى إنشاء مدرسة للتطريز في سلا للحفاظ على هذه التقنيات التقليدية ونقلها إلى الأجيال الجديدة"ويصادف عام 2026 مرور عشر سنوات على تأسيس مدرسة التطريز بسلا، وهي جمعية غير ربحية أنشأتها فاضلة القاضي بهدف تكوين الشباب المنحدرين من أوساط اجتماعية محدودة في مهن التطريز والفنون المرتبطة به.
ومن خلال هذه المبادرة، تسعى المصممة إلى الحفاظ على التراث الثقافي المغربي وتثمينه، إلى جانب دعم الشباب في مدينتها عبر التكوين والإدماج المهني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك