بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، رسّخ خلالها حضوراً واضحاً في الشعر العربي الحديث، وخصوصاً في مسار قصيدة النثر والتجريب الإيقاعي داخل النص الشعري، توفي مساء الاثنين الشاعر المصري محمد سليمان عن عمر يناهز 80 عاماً.
وتميّزت تجربته بقدرتها على الجمع بين حسّ موسيقي دقيق ونزوع واضح إلى التحرر من القوالب الجاهزة، ما منح نصوصه خصوصية لافتة ضمن حركة الشعر المصري منذ السبعينيات.
استندت تجربة سليمان إلى خلفية علمية في الصيدلة، انعكست على وعيه باللغة وبناء القصيدة، فجمع بين" كيمياء المادة" و" كيمياء المجاز"، وكتب نصاً متقشفاً، مقتصداً، مشدوداً إلى المعنى وخالياً من الزوائد.
وقد لخّص هذه الرؤية بقوله: " الشعر لا يُورَّث بل يكتشف، وعلى كل شاعر أن يخترع عزلته بنفسه.
وخبرتي كصيدلاني علمتني أن الجرعة الزائدة تقتل، والقليل قد يكون منقذاً، وهو وعي تسلل إلى شعري دون افتعال".
وفي سياق جيل السبعينيات، أسهم في تأسيس جماعة" أصوات" عام 1976، إلى جانب أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم.
ولم تتخذ الجماعة طابعاً تنظيمياً تقليدياً، بل قامت على إتاحة مساحة لكل شاعر ليبلور صوته الخاص، بعيداً عن المرجعيات الجاهزة.
وكان يرى أن دور الجماعة يقتصر على تقديم بعض الأسماء، قبل أن يستقل كل شاعر بتجربته، قائلاً: " على الجماعة أن تقدم بعض الوجوه الشعرية لأعضائها، لكن على كل شاعر بعد ذلك أن يسبح ويعتمد على جناحيه كي يطير، والعاجز أو غير الموهوب لا بد أن يتوارى".
الشعر يكتشف وعلى كل شاعر أن يخترع عزلته بنفسهبدأ مشروعه الشعري بديوانه" أعلن الفرح مولده" عام 1980، ثم توالت أعماله، ومن أبرزها" القصائد الرمادية"، و" سليمان الملك" (1990)، و" بالأصابع التي كالمشط"، و" أعشاب صالحة للمضغ"، و" هواء قديم"، و" دفاتر الغبار"، و" أوراق شخصية"، وصولاً إلى ديوانه" لا أحد هنا سيميل عليك"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
كما كتب مسرحيّتين شعريّتين هما" العادلون" و" الشعلة"، في امتداد لتجربته في توسيع أدوات التعبير.
انشغلت كتابته بتفاصيل الحياة اليومية والإنسانية، وقدّم نصاً يراهن على الإيحاء والاقتصاد، ويمنح القارئ مساحة للتأمل.
وكان ينظر إلى الوزن بوصفه أداة قابلة لإعادة التشكيل وليس إطاراً مغلقاً، مؤكداً في أحد تصريحاته أن" الوزن يعاد اختراعه باستمرار ولا وجود للشعر العمودي أو التفعيلي أو النثري في القصائد الجيدة، لأن الشكل أساساً تابع للموهبة".
وفي هذا السياق، رفض التقيد ببحر واحد، موضحاً أن نصوصه تتشكّل عبر مقاطع متعددة بإيقاعات متغيرة، ضمن بناء كلي يمنح الديوان طابع النص الممتد.
وقد جرى تكريم الشاعر المصري مؤخراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال دورة 2026، تحت عنوان" ثمانون عاماً.
والشعر يروي محمد سليمان"، تقديراً لمسيرته التي وازنت بين الصرامة الفنية والانفتاح الشكلي.
وعرف بابتعاده عن الأضواء والجوائز، مفضّلاً العزلة والعمل الهادئ، مكتفياً ببناء مشروعه الشعري خارج دوائر الاحتفاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك