لا يتجه كتاب «ذاكرة المدارس»، للدكتور عبدالله يوسف المطوع، إلى كتابة تاريخ التعليم في البحرين من زاوية القرارات، أو المراسيم، أو التحوّلات الإدارية الكبرى، بقدر ما ينصرف لما هو أكثر التصاقًا بالتجربة اليومية؛ أي للمدارس بوصفها حياةً كاملة، تتكون من الصفوف، والكتب، والمعلمين، والطوابير، والأنشطة، والامتحانات، والرحلات، والعقوبات، والطرائف.
وكل ما يدخل في تشكيل الذاكرة المدرسية، والتي من خلالها يستحضر جانبًا من تاريخ التعليم النظامي والممارسات التربوية كما عيشت.
ويجيء كتاب المطوع امتدادًا لمشروعٍ سابقٍ للمؤلف في التوثيق التربوي، غير أن الفارق هنا يتبدّى - كما يشير كمال الذيب في مقدمة الكتاب - في انتقال الاهتمام من التربويين بوصفهم أفرادًا وأصحاب تجارب، إلى المدرسة ذاتها بوصفها كيانًا قائمًا؛ مؤسسةً ومكانًا وتجربةً وذاكرة.
ومن هذا المنظور، لا يقدم الكتاب معالجة عامة للتعليم، بقدر ما ينصرف إلى تفاصيل الحياة المدرسية كما مورست في البحرين عبر عقود، وخصوصًا منذ خمسينيات القرن الماضي، مستندًا إلى شهادات وخبرات ومعايشة طويلة داخل الحقل التعليمي.
يعامل المطوع المدرسة في كتابه بوصفها عالمًا قائمًا بذاته، إذ ينتقل من شكل المبنى ومكوناته، إلى الطقوس اليومية التي تنظم الدخول للصفوف، ثم للأدوات التعليم والمناهج والأنشطة، وعلاقات الطلبة بالمعلمين، وصولًا إلى المقصف، والباعة الجائلين، والحديقة المدرسية، والمخيم الكشفي، والصحة المدرسية، والتطعيم، والاحتفال بالنجاح، والإذاعة، والمجلات الحائطية.
وهي موضوعات تتكامل لتشكل صورة شاملة لما كانت عليه المدرسة في البحرين خلال مراحل مبكرة من التعليم النظامي، والتي تشكل عناوين لفصول الكتاب.
فمن خلال هذه الفصول، يبيّن المطوع كيف كانت المدرسة تقوم بوظائف متعددة؛ تعليمية، وتربوية، ووطنية، وصحية، واجتماعية، وثقافية، وهي وظائف كانت تتداخل في الممارسة الفعلية داخل المدرسة، بحيث لا يبدو التعليم منفصلًا عن تشكيل السلوك، أو ترسيخ النظام، أو بناء الحس الجمعي، أو ربط الطالب بمجتمعه ووطنه.
ولهذا فإن الكتاب يعيد إلى الواجهة ملامح مدرسةٍ كانت تشكل جزءًا من الإيقاع العام للمجتمع، وتتأثر به وتؤثر فيه.
مناهج وطرائق تدريس وأدواتواحد من أهم جوانب الكتاب يتمثل في عنايته بالمناهج وأشكال التعلم وطرائق التدريس.
فالمطوع لا يورد أسماء الكتب أو المواد الدراسية على سبيل الفهرسة، بل يشرح كيف كانت تُدرس، وما الأثر الذي كانت تتركه، وكيف كانت تبدو في وعي الطالب.
ففي حديثه عن البدايات الأولى لتعلم القراءة، تتضح هيمنة الطريقة الأبجدية القائمة على الترديد، حيث المعلم يلقن، والطلاب يرددون، والسبورة تمثل الوسيلة الأساسية، في ظل محدودية الوسائل التعليمية آنذاك.
وفي حديثه عن الخط العربي، تظهر العناية بالنسخ والرقعة، حتى إن إتقان الخط كان يدخل في التقييم والامتحان.
أما في ما يتعلق باللغة الإنجليزية، والخرائط الصماء، والأطالس، والكتب المدرسية، فإن الكتاب يوضح كيف كانت المعرفة تقدم في صورة تتناسب مع إمكانات ذلك الزمن، ومع التصورات التربوية السائدة فيه.
أنشطة المدرسة.
التربية خارج الحصّةيرصد المطوع كذلك ما كان يجري خارج الحصة الدراسية، فصورة المدرسة القديمة لا تكتمل من دون الأنشطة التي كانت تشكل جزءًا أصيلًا من التجربة التربوية، ولهذا نقرأ عن جمعيات النشاط، والإذاعة المدرسية، والرحلات المدرسية، والمهرجانات السنوية، والأناشيد، والتمثيل، والألعاب الرياضية، ومعرض البحرين الزراعي والتجاري، والمخيم الكشفي، وأسبوع الصحة، وغيرها من الفعاليات التي تكشف أن المدرسة لم تكن فضاءً للتلقين.
ويشرح المطوع هذه الجوانب بوصفها أجزاء من تكوين الطالب، فالإذاعة المدرسية كانت تدريبًا على الإلقاء والانضباط والحضور.
والرحلات كانت تربط الطالب ببيئته ومؤسسات بلده، كما في زيارات منشآت شركة النفط عبر «باص الشركة».
أما المناسبات الوطنية، والأناشيد، والقصائد، فقد كانت أدوات لتكوين الحس الوطني، كما يتجلى في حديثه عن المحفوظات التي غرست فكرة الانتماء.
هذا كله يجعل الكتاب قريبًا من وصف المدرسة بوصفها بنية اجتماعية وثقافية، وهي نقطة ينجح المؤلف في إبرازها من دون تنظير مباشر، إذ يترك التفاصيل نفسها تكشف طبيعة ذلك الدور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك