فجأة اشتغل سكريبت واحد على معظم برامج التوك شوز في القنوات المصرية، يلعن" طوفان الأقصى" ويهاجم" 7 أكتوبر"، ويعتبر فعل المقاومة مصدر كلّ الشرور والأضرار التي أصابت مصر والعالم العربي.
وبالطبع يعلن موقفاً واضحاً ضدّ إيران ومحور المقاومة.
هكذا بدا الأمر وكأنّه من دون سابق إنذار أو مناسبة تستدعي هذا النوع من الرسائل، غير أنّ أيّاماً، بل ساعات معدودات مضت، حتى زال العجب، إذ كانت القاهرة تتأهّب لاستقبال وفد المنظّمات اليهودية الأميركية، في زيارة مُتكرّرة حتى باتت روتيناً ثابتاً عند النظام الحاكم في مصر.
هذه المرّة استقبل الجنرال عبد الفتاح السيسي وفد مؤتمر رؤساء المنظّمات اليهودية الأميركية الكبرى، مُكوّناً من رئيسة المؤتمر إليزابيث بيرنز كورن، ورئيسه التنفيذي ويليام داروف، في حضور رئيس المخابرات العامة المصرية، في توقيت مختلف عن كلّ المرّات السابقة، إذ تتوسّع الاعتداءات الصهيونية على لبنان وغزّة والضفة الغربية، فيما يتواصل العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، بينما تتأرجّح مواقف القاهرة مع اتجاه الريح، فتتبدّل الرسائل غير المباشرة من الدعاء ذي الصيغة الشيعية، إلى الحديث عن انتشار عسكري مصري في الإمارات ضدّ طهران.
ليس مؤتمر المنظّمات اليهودية الأميركية الكبرى جمعية خيرية أو منتدى ثقافياً أو دينياً، بل يمثّل أخطر وأقوى ذراع سياسية داعمة للصهيونية، إذ تأتي مسألة دعم الكيان الصهيوني أحد مرتكزات ثلاثة تأسّس عليها المؤتمر الذي يضم 53 منظّمة يهودية تتصل مباشرة بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية والجهات التنفيذية في الإدارة الأميركية.
وعلى قائمة الأهداف الاستراتيجية للمؤتمر الذي تأسّس في 1955، تأتي حماية أمن إسرائيل، وتعزيز التحالف الأميركي الإسرائيلي، ومواجهة أيّة محاولات دولية لفضح عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أمام الهيئات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وتقديم الدعم المُطلق لأمن إسرائيل، إذ يدافع المؤتمر بقوّة عن المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل ويؤيّد حقّها في" الدفاع عن نفسها"، كما يناضل المؤتمر من أجل محاصرة التهديدات التي تواجه الكيان الصهيوني، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني والحركات التي تدعو إلى المقاطعة (BDS).
باختصار، نحن بصدد أقوى لوبي صهيوني في العالم يخوض معارك سياسية ضدّ كلّ ما يزعج الاحتلال الصهيوني، ويمكن اعتباره قبّة حديدية ناعمة وظيفتها الأولى ضمان بقاء إسرائيل أولويةً في السياسة الخارجية الأميركية، وصدّ أيّة توجّهات من شأنها التأثير سلبًا على التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.
ذلك هو المؤتمر اليهودي الصهيوني، وتلك هي المرّة السادسة، أو ربّما السابعة، التي يستقبل فيها السيسي وفداً منه منذ أن وصل إلى السلطة قبل 13 عاماً رافعاً شعار" الحرب على الإرهاب" الذي يُختصر عنده، كما عند الكيان الصهيوني، في الإسلام السياسي المُقاوم للاحتلال، حيث كان اللقاء الأوّل في 22 سبتمبر/ أيلول 2014 في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم توالت اللقاءات: في 5 يوليو/ تموز 2015 بالقاهرة حيث كانت زيارة وفد من" اللجنة الأميركية اليهودية" (AJC) برئاسة ستانلي برغمان.
وبعدها في 11 فبراير/ شباط 2016 وفد من 40 منظمة تندرج تحت" مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى يصل إلى القاهرة في زيارة هي الأولى منذ 2011، وبعدها في التوقيت نفسه في فبراير / شباط 2017 استقبل في القاهرة وفداً من كبرى المنظّمات اليهودية الأميركية لتأكيد العلاقات الاستراتيجية.
ثم كان اللقاء في واشنطن في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2022 مع قادة المنظمات اليهودية الأميركية في مقرّ إقامته خلال القمّة الأميركية الأفريقية.
وأخيراً، جاء لقاء الأمس في لحظة تمدّد الاحتلال الصهيوني في العمق اللبناني، والسيطرة على أكثر من ثلثي قطاع غزّة وسلسلة من الاغتيالات اليومية لقيادات المقاومة، مرّت من دون بيان إدانة واحد، والتوسّع الاستيطاني في مدن الضفة الغربية، ومصادرة المسجد الأقصى لصالح اليمين الديني الصهيوني، ولم نسمع سوى أحاديث ناعمة عن عمق (ومتانة) العلاقات مع الإدارة الأميركية، الصهيونية حتى النخاع، ثم كلمات صارمة عن التمسّك بالتنسيق مع واشنطن لمواجهة خطر الإرهاب والفكر المُتطرّف.
وما دام ذلك كذلك، فلنلعن" طوفان الأقصى" ترحيباً بالضيوف الأعزاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك